احترام العلماء وتقديرهم.. واجب وضرورة شرعية

مقالات وآراء › عامة 2014-04-21 عدد القراءات: 497

بقلم: آفاق تربوية

احترام العلماء وتقديرهم.. واجب وضرورة شرعية

الهجوم على العلماء والمشايخ، أصبح ظاهرة سلبية لدى الكثير من أبناء الأمة، خصوصاً ممن يعادون المنهج الإسلامي ويرون بضرورة محاربته، ومنعه من الوصول إلى سدة الحكم، وتصدر المشهد في الدول الإسلامية.

مشهد بات متكرراً في كثير من الدول الإسلامية، ففي مصر سعى الكثير ممن يعادون التيارات الإسلامية لتشويه صورة العلماء هناك؛ لينزعوا ثقة الناس بهم، عبر التركيز على بعض الأخطاء، أو اجتزاء بعض العبارات لتحقيق السخرية منهم، وكل هذا في سبيل نزع الاحترام الذي تقدمه الأمة لمشايخها وعلمائها.

ويشارك أعداء المشروع الإسلامي في مهاجمتهم للعلماء، بعض “المثقفين” الذين يسعون إلى التقليل من مكانة العلماء وإنجازاتهم، والانتقاض من دورهم في إصلاح الأمة وتحقيق رفعة شأنها. بالإضافة إلى “أنصاف المتعلمين” ممن اطلعوا على بعض النصوص، ووقفوا عليها، ولم يستوعبوا وجود الخلاف في بعضها، أو ممن تشنجوا على رأي فقهي معين، دون اعتبار لبقية الآراء.

احترام العلماء.. واجب شرعي

لقد أوجب الإسلام احترام العلماء وتقديرهم، فهم قدوة المجتمع، وبهم يرتقي المجتمع وينهض، وهم الذين يبينون له أحكام الشرع ومقاصده، ويقررون له الأحكام الشرعية لما يعتري حياة أفراده من مستجدات ونوازل، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلاْمْرِ مِنْكُمْ} (سورة النساء:59)، وأولي الأمر يقصد بها العلماء عند بعض المفسرين.

ولقد كثرت النصوص التي ترفع مقام العالم وتميزه عن غيره، فقال تعالى: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } (سورة الزمر:9)، وقال تعالى: { إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء} (سورة فاطر:28)، وقال: { يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (المجادلة:11).

و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((.. وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر)). (أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما).

وقد حذر الإسلام من مهاجمة العلماء والانتقاص من قدرهم، ومن ذلك ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله عز وجل: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)).

قال ابن حجر –رحمه الله- : “المراد بولي الله، العالم بالله المواظب على طاعته المخلص في عبادته”.

وروى الخطيب البغدادي عن أبي حنيفة والشافعي – رحمهما الله – أنهما قالا: إن لم يكن الفقهاء أولياء الله فليس لله ولي.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (من آذى فقيهاً فقد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد آذى الله عز وجل).

وقال ابن عساكر رحمه الله: “إن لحوم العلماء مسمومة وسنة الله في منتقصهم معلومة “.

وقال بعض العلماء: منتقص العلماء يخشى عليه سوء الخاتمة.

وقال الشاعر:

ما الفضــل إلا لأهل العلـم إنهـمُ …… على الهدى لم استهدى أذلاء

وقــدر كل امرئ ما كـان يحسنـه …… والجاهلون لأهل العلم أعـداء

ولا بد من التأكيد، على أن الهجمات التي يتعرض لها العلماء مهما كانت حدتها وعددها، فإنها لا تنتقص من قيمتهم ومكانتهم، فالعالم الرباني الذي يقف مع قضايا أمته، ولا يحابي أحداًُ في رأيه وفتاويه، من الطبيعي أن يتعرض للهجوم والانتقاص من الحاقدين والغيورين، ولهذا عليه أن يصبر على ذلك، ويمضي في منهجه، فإن الله ناصره ومؤيده.

قال العز بن عبد السلام رحمه الله: “والعلماء ورثة الأنبياء، فينبغي أن يعرضوا عن الجهلة الأغبياء الذين يطعنون في علومهم ويلغون في أقوالهم، ويفهمون غير مقصودهم، كما فعل المشركون في القرآن المبين فقالوا: {لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}. فكما جعل لكل نبي عدواً من المجرمين، جعل لكل عالم من المقربين عدواً من المجرمين. فمن صبر من العلماء على عداوة الأغبياء كما صبر الأنبياء، نصر كما نصروا وأجر كما أجروا وظفر كما ظفروا وكيف يفلح من يعادي حزب الله ويسعى في إطفاء نور الله؟ والحسد يحمل على أكثر من ذلك، فإن اليهود لما حسدوا الرسول عليه السلام حملهم حسدهم على أن قاتلوه وعاندوه، مع أنهم جحدوا رسالته وكذبوا مقالته.”

الاحترام لا يعني القداسة..

ومما يجدر التنبيه إليه، أن احترام العلماء لا يعني إضفاء القدسية عليهم، ورفعهم عن النقد والمعارضة، فهناك فرق بين الاحترام والقداسة، فإن أفتى العالم بفتوى شاذة أو خاطئة، فإننا يجوز لنا أن نبيّن مواطن الخطأ في الفتوى، بشرط أن لا نلغي مكانة العالم وقيمته.  فلكل أخطاؤه، ولكل جواد كبوة.

وقد أكد أئمتنا الأعلام –رحمهم الله- على أنهم بشر، يصيبون ويخطئون، ولا يجوز الوقوف على آرائهم والتعصب بالأخذ بها، إن خالفت الكتاب والسنة.

قال الإمام أبو حنيفة: إذا قلت قولاً كتاب الله يخالفه فاتركوا قولي لكتاب الله. قيل: إذا كان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. قيل: إذا كان قول الصحابة يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لقول الصحابة.

وقال الإمام مالك : إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه. وقال أيضا: ما منا إلا رادٌ ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم.

وقال الإمام الشافعي: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد. وقال أيضاً: إذا صح الحديث بما يخالف قولي فاضربوا بقولي عرض الحائط.

وقال الإمام أحمد: من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال. وقال أيضاً: لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الثوري ولا الأوزاعي وخذ من حيث أخذوا.

ولهذا، لا يجوز التعصب لمذهب معين أو عالم معين، مع إلغاء المذاهب وآراء بقية العلماء، وقد شهد التاريخ الإسلامي في حالات الضعف التي مر بها، صراعات عديدة بين المتعصبين من أتباع المذاهب المختلفة، حتى وصل الأمر إلى تكفير بعضهم، ووصفهم بالابتداع والفسق، بل تطور الأمر ليشهد حالات اقتتال بينهم، نجم عنها قتلى وجرحى من المسلمين.

ومن ناحية أخرى، لا يجوز انتقاد العلماء ومخالفتهم في الرأي، مالم يتم معرفة كامل رأيهم، وما استندوا إليه، وحقيقة المسألة، وامتلاك العلم المؤهل لتقييم هذا الرأي، وإلا كان الانتقاد بحقهم غير مستند إلى أسس صحيحة، ولا على حجة واضحة.

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 170534