إضراب الأسرى.. ابتلاء وصبر على درب التَّحرير

ركن الشباب 2014-04-27 عدد القراءات: 342

إضراب الأسرى.. ابتلاء وصبر على درب التَّحرير

آفاق

اعتاد الفلسطينيون على انتزاع حقوقهم بعناء ومشقة، حتى باتت سنة فلسطينية ثابتة ينطبق عليهم قوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ*وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}.

الأسرى والأسيرات الفلسطينيون في سجون الاحتلال الصهيوني، تعرَّضوا للعديد من الابتلاءات وبدؤوا إضراباً عن الطعام منذ أكثر من 16يوماً على التوالي، نتيجة القمع الذي يتعرَّضون له، وعلى رأسه سياسة العزل الانفرادي، والحرمان لأسرى قطاع غزة من زيارة أهاليهم منذ أكثر من ست سنوات تحت ذريعة أسر الجندي شاليط، ومنع المئات من أهالي الأسرى في الضفة الغربية والقدس والمناطق الفلسطينية المحتلة عام 48 من زيارة أبنائهم بحجج وذرائع أمنية باطلة، وغير ذلك من السياسات الظالمة.

من مراتب الابتلاء

ماهر السوسي نائب عميد كلية الشريعة والقانون، وأستاذ الفقه المقارن في الجامعة الإسلامية بغزة تحدَّث عن الابتلاءات التي يتعرَّض لها الأسرى داخل السجون قائلاً:” إنَّ السجن في حدِّ ذاته هو ابتلاء يبتلى به الإنسان، والصَّبر عليه  يعدُّ نوعاً من أنواع الخضوع لله، مضيفاً أنَّ الله بشَّر الصَّابرين على الابتلاءات بالجنَّة، حيث قال: {ولنبلونكم بشيء من الجوع والخوف ونقص من الثمرات والأنفس وبشر الصّابرين)”.

وشدَّد على أنَّ الغرض من الابتلاء هو اختبار تضحيات الإنسان وقدر إيمانه، موضحاً أنَّ هناك اختلافاً بين من يضحي من أجل وطنه ودينه وأهله قاصداً بذلك تحقيق الصيت والسّمعة والمكاسب الدنيوية أو أن يخلص أعماله لله سبحانه وتعالى.

ونوَّه السوسي إلى أنَّ الإضراب عن الطعام داخل السجن من مراتب الابتلاء العليا، ” خاصة وأن يسجن المرء عند اليهود الذين لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمَّة، كما أنَّ السجن والصَّبر على طول مدَّة الإضراب عن الطعام يعدُّ وسامَ شرف لأيّ إنسان مسلم يجاهد في سبيل الله”.

وأكَّد أنَّه “إذا كان السجن ابتلاء فهذا لا يعني أن نسلّم لأعدائنا بأن يسجنوا إخواننا من المسلمين وأبنائنا ولا يجب على الأمة أن تسلم بالأمر، وتقول: إنه ابتلاء، فالسجن كما أنه يمثل ابتلاء لصاحبه، فهو أيضاً ابتلاء للأمَّة التي يجب عليها أن تقوم بتخليصه من أسره بالطرق التي تجدها مناسبة”.

نماذج في الابتلاء

وأوضح السوسي أنَّ الإضراب هو صورة من الصًّور التي ينبغي على السجناء القيام بها، من أجل محاولة الدفاع عن أنفسهم بالطرق المتاحة لهم، لتخليص أنفسهم عبر إثارة قضيتهم أمام الرأي العام العالمي ليهب لنصرتهم.

وقال: إنَّ الأسرى الفلسطينيين ليسوا وحدهم من يتعرَّض للابتلاءات، فالمسلمون السابقون تعرَّضوا للسجن والتعذيب والحرمان من الأكل، مستشهداً على ذلك بقصة سيّدنا يوسف عليه السَّلام الذي سُجِنَ وتعرَّض للأذى مع أنَّه نبيٌّ كريم، لكنَّه خرج بعد ذلك وتبوء المراكز العليا، فبعدما كان عبداً عن عزيز مصر، خرج وأصبح سيّداً ومن قادة الدولة وكبارها.

وأضاف:” كما أنَّ الإمام أحمد بن حنبل سجن لأنَّه رفض أن يغيّر رأي الشرع أو يجاري المندسين في تزييف الحقائق، ولم يتساوق مع آراء الحكام، لكنَّه خرج بعد ذلك أكثر هيبة وأعزه الله بأن جعله إماماً من أئمة الفقه ويتبع مذهبه الملايين، كما أنَّ الأمثلة لا حصر لها”.

وأكَّد السوسي أنَّ من الأسباب التي تدفع المسلمين للثبات والصبر على الابتلاءات والمحن اعتقادهم اعتقاداَ صحيحاَ أنَّ الابتلاء منحة وليس محنة، وأن يعلم المؤمن أنَّه لن يصيبه شيء إلاَّ الذي كتبه الله عليه، {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا}.

المؤمن أشد ابتلاء

ومن جانبه قال د.زياد مقداد أستاذ الفقه في الجامعة الإسلامية بغزة : (إنَّ الإنسان خلق في الدنيا وخلق معه الابتلاء، وهما صنوان لا يفترقان، والابتلاء هو أن يصيب الإنسان في هذه الدنيا ما يكره في بدنه، أو ماله، ويكون محبوباً لديه، وذلك كأن يصاب بمرض، أو افتقاد ولد، أو يسجن عند الأعداء، أو يسجن له أب أو ابن أو قريب محبوب، أو يتلف له مال).

وأوضح أنَّ الأصل في الإنسان المسلم على وجه الخصوص أن أمره كلّه له خير، فإن أصابه سرَّاء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابه ضرَّاء بمعنى ابتلاء صبر.

وأشار إلى أنَّه يجب على المسلم إن أصابه ابتلاء أن لا يضجر، أو أن يفهم بأنَّ هذا انتقام من الله، بل المسلم معرَّض للابتلاء في كلِّ مراحل حياته، والمؤمنين أشد ابتلاء كما ورد : (إذا أحب الله عبدا ابتلاه).

وشدَّد مقداد على أنَّ السجن من أعظم الابتلاءات، ويتعرَّض له أكثر من طرف، أولا السجين الذي يعدّ من أكثر الناس شعوراً وإحساساً وتعرّضاً لهذا المصاب، كما أنَّه يعود على الأهل والأقارب،  وكلّهم مصابون بالابتلاء.

واستكمل حديثه بالقول: كما أنَّ الدولة أو الحكومة والمجتمع يعدّا طرفاً ثالثا يتحمَّل هذا الابتلاء، وتقع عليه المسؤولية بفكاك السجين.

الصبر والعمل

وأضاف: أنَّه يجب على الأسير أن يتحلّى بالصَّبر على هذا الابتلاء حتى يفرج الله كربه، وأمَّا بالنسبة للحكومات، فينبغي أن يقترن صبرها بالعمل على فكاك السجين وتخليصه من أسره بكلِّ الوسائل سواء بالفدية أو الخطف أو التفاوض، حتّى ولو نفذت خزينة الدَّولة في سبيل تخليص المسلم من أسره،( فنفس المسلم أعزّ عند الله من كلّ أموال الأرض).

ونوَّه مقداد إلى أنَّ السجن للمجاهدين في فلسطين على وجه الخصوص يتضاعف فيه الابتلاء، لأنَّ السجين يواجه من الإهانات ما لا يطيقه بشر، وعندما يسجن المجاهد عند العدو تهدر كرامته ويحرم من أبسط حقوقه.

موقف الشرع

وعن رأى الشرع في بقضية الإضراب عن الطعام والذي قد يؤدّي إلى الموت وفقدان الحياة، قال مقداد:” زوال الدنيا أهون عند الله من هدر دم مسلم، وينبغي على المسلم الحرص على حياته، والله سبحانه حرَّم الانتحار، لكن في السجن لما كانت حياة السجين متمثلة بإهدار الحقوق والكرامة وسلب أبسط معطيات الحياة، أجاز العلماء اجتهاداً أن يقوم السجناء بالإضراب حتّى لو ترتب عليه وفاة أحدهم، مع حرص السجناء على عدم وصولهم لمرحلة الموت”.

وأردف قائلاً:” إنَّ الهدف من إضراب الأسرى عن الطعام هو السعي للحصول على حياة كريمة، وإن حصلت الوفاة، فتكون تضحيته في سبيل الله، تماماً كما يفعل المجاهد الذي يحمل روحه على كفه للدفاع عن وطنه”.

وبيَّن أنَّه مهما طالت مدَّة الابتلاء والسجن فحتماً سيكون الفرج، ” ويجب أن يعلم الأسير أنَّ خروجه وخلاصه ليس بيد سجانه إنَّما بيد الله سبحانه الذي يقدر له أسباب الخروج.

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 170529