أمة تكتم وتصون أسرارها

ركن الشباب 2014-05-03 عدد القراءات: 534

أمة تكتم وتصون أسرارها

آفاق- خاص

ما أحوجنا في هذا الوقت بالذات إلى تعاليم ديننا وكلام رسولنا الحبيب وهو يعلمنا كيف نحفظ أنفسنا لهذا الدين وكيف نستعين بالكتمان ليستمر العمل والعطاء. وكلنا يعلم شراسة الهجمة الصهيونية التي تستهدف أبناء حركتنا ومجاهدينا.

والواقع أن مدرستنا الإسلامية عُنيت بالأمن والمحافظة على الأسرار أشدَّ العناية، ووضعت لهما المبادئ والأصول والأساليب، وأثبت تاريخ صدر الإسلام أن من أسباب انتصار المسلمين على أعدائهم الكثيرين، أن أسرار النبي-صلى الله عليه وسلم-، وأسرار المسلمين كانت مصونةً وبعيدةً عن متناول الأعداء، في الوقت الذي كان النبي - صلوات الله وسلامه عليه - يطَّلع على نيات أعدائه العداونية عن طريق عيونه وأرصاده (رجال مخابراته) قبل وقت مبكر، فيعمل من جانبه على إحباط ما يبيتونه للإسلام من غدر وخيانة ودسائس.

كذلك لم يستطع المشركون وأعداء الإسلام أن يباغتوا قوات النبي-صلى الله عليه وسلم-في الزمان والمكان وأسلوب القتال، بينما استطاع-صلوات الله وسلامه عليه - أن يباغت أعداءَه في معظم غزواته وسراياه.

كذلك لم يرد في تاريخ صدر الإسلام حوادث خيانة أو تخابر مع العدو إلا في حادثة حاطب بن أبي بلتعة في فتح مكة، وهي حادثة واحدة واعتذر منها صاحبها.

كل ذلك من منهج الإسلام في تربية المسلمين على الأمن والمحافظة على الأسرار، ومن المبادئ المعروفة أن الأمة التي تكتم أسرارها هي الأمة التي يمكن أن تنتصر، وما يُقال عن الأمة يقال عن الأفراد؛ لأن الأمة تتكون من أفراد.

قال أنس بن مالك رضي الله عنه: "أتى عليّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا ألعب مع الغلمان، فسلم علينا، فبعثني في حاجةٍ، فأبطأت على أمي، فلمّا جئت قالت: ما حبسك؟ (أي ما أخرك؟) فقلت: بعثني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لحاجةٍ، قالت: ما حاجته؟ قلت: إنه سرُُّ، قالت: لا تخبرنَّ بسرِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدًا".

وقال العباس بن عبد المطلب لابنه عبد الله: "إني أرى هذا الرجل (يعني عمر بن الخطاب) يقدمك على الأشياخ (يعني كبار الصحابة)، فاحفظ عني خمسًا: لا تفشينّ له سرًا، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا يُجرِّبن عليك كذبًا، ولا تعصينَّ له أمرًا، ولا يطَّلعن منك على خيانة".

وهكذا كان الصحابة - رضوان الله عليهم -، وهكذا كان أجدادنا الأوائل يعلمون أولادهم المحافظة على السر، وهي من ألزم الأمور لسلامة الأمة وأمنها.

واللسان الذي هو نعمة من نعم الله على عباده - يستطيعون بها التعبير عن آرائهم وتبادل المنافع مع الناس- هو وسيلة للخير والسعادة في الدنيا والآخرة إذا أُحسن استعماله، كما أنه سبب قوي للشر والشقاء في الدارين إذا أُسيء استعماله، فهو سلاح ذو حدين يمكن به النفع ويمكن به الضر..

والقرآن الكريم ينبئ بأن كل لفظ من الإنسان مسجل عليه، فيقول الله تعالى: ﴿مَا يَلفِظُ مِنْ قَولٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيْبُُ عَتِيْد﴾ (ق:18) فالكلمة أمانة عظمى لها مكانتها في الإسلام، وتقدير أمرها، والتدبر فيها قبل التلفظ بها مرتبط بالإيمان، كما يُفهم من قول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "من كان يومن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت".

ويقول الله تعالى:﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ* وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾(إبراهيم 24 - 26).

والمراد بالكلمة الطيبة شهادة أن لا إله إلا الله، وقيل دعوة الإسلام، وقيل: كل كلمة حسنة.. والمراد بالكلمة الخبيثة: كلمة الكفر أو الدعوة إليه أو الكذب، أو كل كلمة لا يرضاها الله تعالى.

وإفشاء الأسرار التي تعود على الأفراد والأمم بالأضرار من الكلام الذي لا يرضاه الله تعالى، وكذلك كل كلام فيه سعي بالفساد مندرج تحت الكلمة الخبيثة. ويقول النبي- صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله - ما يظن أن يبلغ ما بلغته - فيكتب الله بها عليه سخطه إلى يوم يلقاه".

وعن شعبان بن عبد الله الثقفي قال: "قلت يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به، قال: (قل ربي الله ثم استقم) قال: قلت يا رسول الله، وأخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: (هذا)".

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 170511