إياك والركون إلى البيت

البيت المسلم › التربية 2014-05-04 عدد القراءات: 507

إياك والركون إلى البيت

آفاق - خاص

رغم كثرة صيحات الدعاة في هذه السنين وحثهم الناس والمصلين خاصة أن يعملوا ويعاونوا الدعاة الآمرين العاملين، فإن الأكثرية لا زال الحزن على واقع المسلمين يستهلكهم يوماً بعد يوم، ولم يعرفوا طريق العمل، أو عرفوه ومنعهم الخوف من تحمل التضحيات، أو منعهم الحرص على المال والمصالح الدنيوية، فانعزلوا في مساجدهم وبيوتهم، يبكون الإسلام ويتركون الأجيال وجماهير الشباب لمن يجرها إلى الفساد والحياة الشهوانية والإسراف واللهو.

إن هؤلاء المصلين وأهل الحزن على مصر المسلمين وكأنهم لم يقرؤا أو لم يسمعوا صيحات المخلصين على مر الأجيال والقرون وهم يحثون على العمل للإسلام والبشرية، ودعوة الحق وتبنيه الجموع الغافلة وترك العزلة والتواري والتصدي للجهاد والبذل والتضحية.

إنه حزن قاتل وعزلة مضيعة وتعبد غير مقبول.

روي أن رجالاً خرجوا من الكوفة ونزلوا قريباً يتعبدون، فبلغ ذلك عبد الله بن مسعود، أتاهم، ففرحوا بمجيئه إليهم، فقال لهم: ما حملكم على ما صنعتم؟ قالوا: أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد، فقال عبد الله رضى الله عنه: "من يقاتل العدو إذن لو اعتزل العابدون" ونحن نرددها خلف ذاك الصحابي الجلل، من يقاتل اليهود إذا اعتزلتم من يدعوا الشباب التائه إذا  انزويتم في بيوتكم، من ينشر هذا الدين ويرد كيد الصهيونية والماسونية والدعاة لفساد إذا بقى المصلون في بيوتهم ومساجدهم لا يضمون جهودهم إلى جهود دعاة الإسلام.

واسمعوا ابن المبارك الداعية المجاهد وهو ينكر على صاحبه الزاهد العابد الفضيل ابن عياض وهو معتزل ومتعبد في مكة وتارك الهاد .

لعلمت أنك في العبادة تلعب

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا

فنحورنا بدمائنا تتخضب

من كان يخضب خده بدموعه

رهج السنابك والغبار الأطيب

ريح العبير لكم ونحن عبرينا

إذا كان هذا العتاب وهذا الإنكار موجه للفضيل وهو من أشتهر بكثرة البكاء والصلاة لأنه ابتعد عن الجهاد والدعوة، فماذا نقول اليوم لمن ينصرف عن الجهاد والدعوة والأمر والنهي ليس لكثرة العبادة والبكاء بل إلى الراحة والترف وجمع الأموال والحرص على إرضاء زوجته؟!

ولئن انحنى ظهور بعض المتعبين اليوم من كثرة الصلاة وجفت حلوقهم من مواصلة  الصوم، فإن دعاة الإسلام قد انحنت ظهورهم بعد الفرائض والسنن من كثرة مجالس التداول في أمور ومصالح المسلمين، وجفت جلدتهم من كثرة السعي والحركة، وبذلوا دمائهم وقضت أجسادهم وهم في طريق الجهاد سائرون.

واسمعوا صيحة الحق من أحد الصالحين العاملين الدعاة وهو يصرخ ويقول:

"يا زهاد الأرض تقدموا، خربوا صوامعكم وتقدموا"

إياك والركون إلى البيت

والقعود في البيوت من بعد الاعتزال في المساجد أكثر بعداً عن صفة المسلم الكامل ولذلك كان للصحابة إنكار شديد على من يتوارى في بيته ويأنس بالقرب من زوجه وأولاده ويترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ويتخلى عن مكانه الذي يجب أن يحتله في صف الدعاة المجاهدين.

فقد قال الصحابي الجليل طلحة بن عبيد ال رضي الله عنه وهو أحد المبشرين بالجنة: "إن أقل العيب على المرء أن يجلس في داره".

وقد قال الإمام الغزالي رحمه الله أيضاً: أعلم أن كل قاعداً في بيته أينما كان، فقد اقترف منكراً من حيث التقاعد عن إرشاد الناس وتعليمهم وحملهم على المعروف"

وهذا ابن تيمية يفسر قوله تعالى( يا أيها المدثر قم فأنذر) فيقول فواجب على الأمة أن يبلغوا ما أنزل إليه، وينذروا كما أنذر" وكما تتفاضل الأعمال في الميزان ، فإن العمل الصالح الواحد يتفاضل تطبيقه أيضاً من شخص إلى شخص وظرف إلى ظرف، ووقت إلى وقت، ولكل مسلم عمل من أعمال الخير هو أفضل له من الأعمال الأخرى الفاضلة، وذكر أبن القيم رحمه الله أن" الشجاع الشديد الذي يهاب العدو سطوته، وقوفه في الصف ساعة وجهاده أعداء الله أفضل من الحج والصوم والصدقة والتطوع، والعالم الذي قد يعرف السنة والحلال والحرام وطرق الخير والشر: مخالطته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح".

فلا يحتجن أحد بأحاديث فضل النوافل والتسبيح يبرر اعتزاله الناس ويترك مهمته الدعوية التي يلزمه إياها علمه الذي تعلمه، فإن مباشرة الدعوة خير من مباشرة النوافل..

وقد ذكرنا في لقاء سابق أن الداعية المجاهد لابد أن يكون عابداً قريباً من الله، وهنا نؤكد على هذا القول ونضيف أنه لا ينبغي للداعية أن يبتئس إن لم يجد فضل وقت لقيام الليل يوماً، أو الإكثار من ختمات القرآن فإن ما هو فيه من الدعوة والجهاد وتربية الشباب فيها خير جزيل وأجر عظيم.

هكذا كان شأن الدعاة دوماً يسيحون لنشر الدعوة ويبادئون الناس بالكلام ويحتكون بهم احتكاكا هادفا، وعلى كل داعية اليوم أن يكون رحالة سائحا في مدينته يبلغ دعوة الله.

وهذا شأن الدعوة التي تريد أن تصل إلى اهدافها لابد من تحرك ومبادءة وغدو ورواح.

ليس القعود والتمني من الطرق الموصلة فافقه سيرة سلفك وقلدهم تصل، وإلا فراوح في مكانك فإنك لن تبرحه.

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 170636