جهود الأنبياء في تحرير القدس من الأعداء

فلسطينيات › فلسطين 2014-05-09 عدد القراءات: 346

جهود الأنبياء في تحرير القدس من الأعداء

د. خالد الخالدي

يلاحظ المتأمل في تاريخ القدس أنها مركز الصراع بين الحق والباطل منذ فجر التاريخ، وأن أهل الحق و أهل الباطل يتعاقبون عليها، إذ تكون في أيدي أهل الحق، وتبقى في أيديهم ما داموا مؤمنين بربهم، ملتزمين بدينهم، مجاهدين في سبيل الله، وإذا ما ضعف إيمانهم، وانحرفوا عن تعاليم دينهم، وجبنوا عن الجهاد، سلط الله عليهم أهل الباطل، فهزموهم، وفتكوا بهم، و أخضعوها لحكمهم، ولا تعود لحكم الحق إلا إذا توفرت فئة مؤمنة ملتزمة مجاهدة، وإن عادوا إلى الانحراف، أعاد الله تعالى تسليط أهل الباطل عليهم.

كانت القدس تحت حكم أهل الحق، حوالي 1900 ق.م، إذ كان ملكها هو اليبوسي الكنعاني ملكي صادق، الذي دخل في الإسلام على يد النبي إبراهيم -عليه السلام- الإمام فيها { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إمامًا}، وبعد وفاته ظلت القدس تحت حكم أهل الحق, إذ كانت الإمامة فيها لأبناء إبراهيم، إسحاق ويعقوب عليهما السلام { ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلاً جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين}، ومن المرجح أن يعقوب عليه السلام لم يتركها لأهل الباطل عندما توجه إلى مصر حوالي سنة 1700 ق.م، بل ولى عليها حكاماً من أتباعه..

وقد ظلت تحت حكمهم إلى أن انحرفوا عن دينهم، وسلط الله عليهم كفاراً سماهم القرآن الكريم القوم الجبارين، وعندما نجا الله موسى وقومه من فرعون وجنوده حوالي سنة 1234 ق.م، كلف الله موسى -عليه السلام- أن يأمر قومه بالدخول إلى الأرض المقدسة، لأنه لا ينبغي أن يترك أهل الحق القدس في قبضة الباطل عندما تصبح لهم شوكة، لكنهم جبنوا ورفضوا وعصوا الله ورسوله، فأصبحوا غير جديرين بالنصر على أهل الباطل، والتمكين فيها، وعاقبهم الله تعالى بالتيه والتشرد والذل في سيناء أربعين سنة، وحرمها عليهم بسبب كفرهم، إذ كان استحقاقهم لها مرتبطًا بطاعة الله ورسوله والالتزام بالإسلام دين موسى و دين كل الأنبياء. اندثر الجيل الجبان المنحرف من قوم موسى، وخرج جيل جديد، فبعث الله لهم نبياً هو يوشع بن نون، دعاهم إلى الإيمان فآمنوا، وحضهم على الجهاد فاستجاب جزءٌ منهم، لكنه قرر ألا يشارك معه في تحرير بيت المقدس إلا الأتقياء المعلقة قلوبهم بالآخرة، فنقى صفه، وأخرج منه كل من رجّح أن قلبه معلق بالدنيا، وبالفئة القليلة المؤمنة المسلمة تمكن من تحرير القدس (حوالي 1190 ق.م).

وعن يوشع بن نون وتنقية صفه يحدثنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم فيقول: "غزا نبي من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني منكم رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها، ولا أحد بنى بيوتاً ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنماً وهو ينتظر أولادها، فغزا فدنا من القرية صلاة العصر أو قريباً من ذلك، فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليه".

ظلت القدس في يد المسلمين من أتباع يوشع نحو أربعة عقود، وبعد موته خرج جيل منحرف مترف جبان، فجرت فيهم سنة الله في المنحرفين، إذ سلط الله عليهم من أهانهم واغتصب أرضهم وسامهم سوء العذاب، وهم جالوت وجنوده الذين يرجح أنهم الآشوريون، وكان ذلك حوالي ( 1150 ق.م).

ظلت القدس في قبضة جالوت وجنودِه إلى أن عاد أهلُ بيت المقدس إلى دينهم، واستعدوا للجهاد، وخرجت منهم فئةٌ مؤمنة ربانية مجاهدة قادها الملك المؤمن طالوت، وكان من بين جنده المؤمنين داود عليه السلام، وكان ذلك حوالي سنة 1025 ق.م. ولأنه لا يصلح لتحرير القدس إلا الصالحون الصادقون الأتقياء, قرر طالوت أن يمحص صفه وينقيه من ضعاف الإيمان، فاختبرهم اختبارات عدة، ولم يواجه عدوه إلا بفئة مؤمنة نجحت في كل مراحل التمحيص والاختبار، و قد أقام داود ومن بعده ولده سليمان عليهما السلام دولة خلافة إسلامية في الشام، وكانت عاصمتها القدس، ويعد عصر هذه الدولة هو العصر الذهبي للقدس. وما يؤكد إسلامية هذه الدولة أن الأنبياء كلهم مسلمون، فسليمان عليه السلام عندما دعا بلقيس ملكة سبأ إلى دينه دعاها إلى الإسلام إذ أرسل إليها يقول: "إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا عليَّ وأتوني مسلمين".

وعندما قررت بلقيس الدخول في دين سليمان قالت:" وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين". استمر حكم داود وسليمان حوالي ثمانين عاماً، (1004-923 ق.م)، ثم انحرف بنو إسرائيل عن عقيدة أنبيائهم (الإسلام)، وأخذت زاوية الانحراف تزداد بالتدريج، وانقسمت مملكة سليمان إلى دولتين عرفت إحداهما بمملكة إسرائيل، بينما سميت الأخرى مملكة يهودا، وقد عانت هاتان الدولتان من الفساد العقائدي والأخلاقي، وانتشر الترف والانحراف وأدى إلى الضعف العسكري والسياسي، فتحققت فيهم سنة الله تعالى التي تحققت فيمن قبلهم من المنحرفين عن منهج الله، إذ سلط الله على مملكة إسرائيل الملك الآشوري سرجون الثاني، فقضى عليها سنة721 ق.م، ونقل سكانها إلى حران وكردستان وفارس، وأسكنوا مكانهم جماعات من الآراميين، كما سلط الله سبحانه على مملكة يهودا نبوخذ نصر فقضى عليها سنة586 ق.م وسبى 40 ألفاً من أهلها المنحرفين إلى بابل.

وقد أرسل الله سبحانه عدداً كبيراً من الأنبياء إلى بني إسرائيل المنحرفين، لعلهم يهتدون ويعودون إلى الإسلام دين أنبيائهم، ويستحقون التمكين في الأرض المقدسة، لكنهم كذبوهم، وأساؤوا إليهم، وقتلوا كثيراً منهم، فاستحقوا البقاء في الذل والتشرد والعبودية للعديد من الأقوام، إذ تمكن الإمبراطور الفارسي قورش الثاني من احتلال القدس بعد أن أسقط الدولة البابلية سنة 539 ق.م، و أعاد جزءاً من اليهود إلى القدس مكافأة لهم على مساعدتهم له ضد البابليين، فعاشوا فيها أذلاء تحت حكم الفرس.

ثم خضعت القدس لاحتلال الإسكندر المقدوني سنة 332 ق.م، فعاش اليهود خاضعين لليونان، وانقسموا وزادت خلافاتهم بسبب تنافسهم على الولاء لحكامهم. ثم خضعت القدس سنة 37 ق.م لاحتلال الرومان الذين نصَّبوا عليها هيرودس الذي تهود وقتل -بتحريض من اليهود- نبي الله يحيى ثم أباه النبي زكريا، ورمى اليهود مريم بنت عمران بالزنى، وهموا بقتل عيسى عليه السلام، وظنوا أنهم قتلوه لكن الله نجاه منهم ورفعه إليه. ظلت القدس في قبضة الاحتلال الروماني حتى بعث الله تعالى النبي محمداً صلى الله عليه وسلم، وجعلها قبلته الأولى، وأسرى به إليها، وجعلها معراجاً له إلى السماء، فعرف فضلها ومكانتها، فحبب أصحابه فيها، وبشرهم بفتحها، وحضهم على الجهاد من أجل تحريرها، ومهد لهم الطريق إليها، من خلال غزوات عدة إلى تخوم الشام، ومن خلال تجهيز جيش أسامة بن زيد إلى مشارف الشام، وتوصيته بإنفاذ جيشه قبل أن يتوفى، فحفظ أصحابه الوصية، وبعد شهور من وفاته كانت جيوشهم تفتح الشام، ثم يسر الله فتحها في خلافة عمر بن الخطاب، فاستلم مفاتيحها في سنة 16هـ/637م، وهكذا عادت القدس إلى أهل الحق، بقادة و جندٍ تربوا في مدرسة النبوة على الإيمان والالتزام والجهاد.

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 170656