كَمَا تَكُونُوا يُوَلَّى عَلَيْكُمْ

ركن الشباب 2014-05-25 عدد القراءات: 327

كَمَا تَكُونُوا يُوَلَّى عَلَيْكُمْ

آفاق - خاص

يعتقد بعض الباحثين أن بعض البشر يُولَدُون وبهم جينات الشرِّ والإجرام، وبافتراض صحة ما يعتقدون من تأثير العوامل الوراثية "الجينات" في سلوك البشر منذ الفطرة.

صحيح أن التفاضل بين البشر قضيةٌ مسلَّمة، قال سبحانه (انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً) "الإسراء:21"، لكنَّ الإنسان لا يُولَدُ شريراً بالفطرة.

وأن الظروف البيئية والتربوية الفاسدة هي التي تُخَرِّجُ إنساناً فاسداً ظالماً وهذا مصداق قوله صلى الله عليه وسلم (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ)، وفيه إشارة إلى أن الأصل في الخلقة "خيرية الفطرة وصفاؤها"، وأن أي تغيير يطرأ فيما بعد، أو فساد أو ضلال إِنَّمَا يكون بسبب الظروف البيئية السلبية والقدوات السيئة.

وبرغم "العوامل الوراثية والظروف البيئية" فإن الجانب الكسبي الإيجابي في حياة الإنسان قضية تغيرية مسلَّمة، فقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى دور التربية الإيجابية (إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ الْشَّرَّ يُوْقَّهُ)، وحقائق التجربة أثبتت أن كل الناس قابلون للتربية والتوجيه والإصلاح.

واقع الأمر أنني أعتقد أن هذه الشعوب ليست في الحقيقة مظلومة، وإنما الحقيقة التي أؤمن بها وأعتقدها هي أن الحكَّام إفراز طبيعي للشعوب، والحاكم المتسلط لا يحكم إلاَّ شعبًا جبانًا، والقائد الذي ينحرف بشعبه إلى المهالك لا يقود إلا شعبًا جاهلاً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث (كَمَا تَكُونُوا يُوَلَّى عَلَيْكُمْ)، "الصيغة إخبارية وليست شرطية" والحديث وإن كان ضعيفًا إلا أن معناه صحيح، والشواهد على هذا المعنى في التاريخ والواقع كثيرة، وعندنا في القرآن الكريم أن الله عزَّ وجل قال وهو يحكي الواقع المرير الذي عاشته "مصر" تحت حكم الطاغية "فرعون" (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَاً فَاسِقِينَ) "الزخرف:54".

والتعليق هنا لافت للنظر جداً، فقد نتوقع أن يكون ختام الآية التي تصف استخفاف حاكم بشعبه أن يتهم الحاكم بالظلم أو الفساد أو الدكتاتورية، إنما جاء الاتهام للشعب الفاسق الذي قبل بحكم هذا الطاغوت دون أن يتحرك، أما كيف يكون التحرك فليس هذا مجال بحثنا الآن، إنما هو واجب كل شعب أن يبحث عن الآليات المناسبة لتغيير الحكَّام الظالمين، وتنصيب العادلين المنصفين.

والكل في النهاية يدفع الثمن، ليستوي في ذلك الحاكم والمحكوم، والقائد والمقود، وقد جاءت نهاية قصة الطاغية فرعون مأساوية للجميع في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا غرق الظالم والجنود المساكين "الفاسقون" معه .. قال سبحانه وتعالى (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) "طه:78"، وفي الآخرة يقول سبحانه وتعالى (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ) "هود:98".

(من كتاب: المشترك الإنساني للمؤلف: د. راغب السرجاني.. بتصرف)

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 170527