من ذاكرة الدعوة .. معركة التبة 86

فلسطينيات › فلسطين 2014-05-26 عدد القراءات: 653

من ذاكرة الدعوة .. معركة التبة 86

آفاق

يقع هذا الموقع في مواجهة قرية خان يونس التي تقع على الطريق الرئيسي الذي يربط رفح بمدينة قطاع غزة وتقع المدينة على ساحل البحر الأبيض المتوسط.

الخطة اليهودية:

هي احتلال مواقع التبة 86 ومنها تندفع القوات الصهيونية لاحتلال خان يونس وتتجه شمالا إلى غزة وبيت حانون، ثم إلى دير البلح ومعسكرات الفدائيين جنوبا وفي اتجاه رفح لتمشيط كافة المواقع الموجودة في هذه المنطقة للجيش، وبهذا تتم محاصرة القوات المصرية التي سوف تصبح متناثرة وليس لها خطوط إمدادات وبالتالي تجبر ما تبقى من هذه القوات على إخلاء كل مواقعها والانسحاب من الفالوجا المحاصرة والتي قام الإخوان بإمدادها بالمؤن والذخائر والمواد الطبية وغيرها من مواد الإعاشة، وفي هذه الحالة فلن يكون أمام هذه القوات إلا التسليم بدون قيد أو شرط .. وإلا التدمير.

في يوم 21 ديسمبر 48 حضر إلى معسكر البريج لفيف من كبار ضباط الجيش المصري في فلسطين على رأسهم أركان حرب القوات اللواء نعمت واللواء محمود رأفت وقالوا لنا: إن قتالا شديدا قد وقع على القوات المصرية المرابطة في التبة 86 في مقابل خان يونس، وإن هناك أمواجا من الإسرائيليين يلقى بهم في أتون المعركة لاحتلال مواقع التبة.

وأضافوا: ونحن بدورنا نشترك الآن بقوات ضخمة من الجيش في هذه المعركة، وإذا قدر واحتلت هذه التبة فلن يكون للجيش بقاء في فلسطين، وعلى قيادة الإخوان أن تجهز قوة ضاربة قد نحتاجها في اللحظات الأخيرة إن لم نوفق في الاحتفاظ بمواقعنا.

واستطرد الضباط: لقد عرفنا أنكم لا تهابون الموت في سبيل الله، وليس هناك أقدر منكم على اقتحام المواقع والالتحام مع هؤلاء الخبثاء، وهذا أملنا فيكم إن شاء الله، ثم انصرفوا.

الاستعداد للمعركة

صدر الأمر من الأخ كامل الشريف قائد القوة إلى جميع القواد: حسن دوح، فوزي فارس، ونصر جاد، وسيد الشراقي، بالاستعداد لخوض معركة التبة 86 الفاصلة، وقامت القيادة بتجهيز خمسة وأربعين رجلا من خيرة المقاتلين ولا تعجب إن كنا نقاتل اليهود بأعداد قليلة فإنها تصبح في أعينهم كثيرة بإذن الله، وفور انتهاء إعداد هذه القوة حضر إلينا الضباط الذين سبق ذكرهم وطلبوا منا التحرك نحو دير البلح حيث الموقع على وشك السقوط من أيدي القوات المصرية، وتحركت هذه القوة إلى دير البلح بالأسلحة الأتوماتيكية وبنادق البويز المضادة للمصفحات وستة مدافع 81 مم، وهناك في دير البلح قبعت القوات في سياراتها على أمل إنهاء المعركة بقوات الجيش المصري، وبزغ نور الفجر وصلينا في أماكننا وسطعت الشمس، ثم صدرت الأوامر إلينا بأن نتقدم صوب أرض المعركة، لقد احتلت القوات اليهودية المواقع من الجيش المصري، وقال القائد نعمت: لا أمل إلا فيكم .. فقلنا: على الله ربنا توكلنا.

وعند تقدمنا كانت دهشتنا كبيرة، إذ لاحظنا أن كما هائلا من الأسلحة والمدرعات في مكان المعركة وكأنها مظاهرة عسكرية، لكننا لم نلحظ أي سيطرة على تلك القوات، ووصلنا إلى موقع القيادة المتقدمة وحدثنا القائد أركان حرب محمود رأفت بحديث مدح فيه المقاتلين، فقاطعه الأخ فوزي فارس قائلا له: كف عن هذه اللهجة لأنها تفسد علينا نفوسنا، فنحن لا نقاتل إلا لله وحده وليس لنا عقيدة إلا دين الإسلام الذي يدفعنا إلى هذا الأمر مخلصين لله رب العالمين، ثم أصدر الأخ كامل الشريف أمره بتوزيع القوات لتحرير التبة 86.

كنا خمسة وأربعين رجلا أذكر منهم الأخ سيد منصور الذي استشهد والأخ سيد عيد الذي أصيب برصاصة والأخ عبد الحميد خطاب، وقد استشهد أيضا الأخ حسن عزازي واستشهد عدد من الإخوان، كانت هذه القوة جميعا من المشاة الكوماندوز لاقتحام المواقع عدا قوة المدفعية 81 مم وهم اثنا عشر فردا تحت قيادتي، وزعت المدفعية بأرض المعركة وكان معي الأخ علي شيحة والأخ حسن الذي كان يمتاز برباطة جأش وشجاعة، وآخرون، وقمت فورا بتحديد نقاط مراقبة اتجاهات كمية النيران المنصبة من مواقعهم، وبدأت المدفعية بدك حصون العدو، والمواقع التي احتلتها لإحداث الارتباك بين صفوفه، وفي نفس الوقت تقدم الإخوان خلف الدبابات وتحت ستار مدافع الميدان ومدافع الدبابات الصغيرة وقد تحولت المنطقة إلى قطعة ملتهبة من النيران غطت سماء المعركة .. وظلت المدفعية تقذف العدو بالدانات لتتساقط على العدو وبين صفوفه محدثة ارتباكا لا مثيل له، وفجأة توقفت إحدى الدبابات وكان خلفها الإخوان سيد منصور وعبد الحميد خطاب ضمن المجموعة المتقدمة للاقتحام، وبدلا من أن يتحرك قائد الدبابة للأمام تحرك للخلف فجأة فوقع تحت عجلاتها الشهيدان فما كان لهذا أن ينال من المقاتلين في سبيل الله ..

بل تقدمت جميع القوة وألقى الجيش بأمواج من الجند ثم أطلقت قاذفات اللهب نيرانها في اتجاه العدو، وهنا اقتحم الإخوان المواقع تحت وابل من قنابل الدخان وألقوا بقنابلهم داخل المواقع وقاموا بقتل جميع من فيها، وتم تطهيرها من كافة المعتدين الإسرائيليين، يشاركهم رجال الجيش في اقتحام المواقع .. وتم القضاء على اليهود وقد غطت جثثهم أرض المعركة بشكل لم أشهده من قبل .. وفشل الهجوم، وفر من تبقى من فلولهم تاركين قتلاهم يملأون أرض المعركة.

لقد انتهت معركة التبة 86 وقد لقن اليهود درسا عظيما في أساليب القتال لن ينسوه، وعاد الجيش يسيطر على موقعه الحصين، وكان عجبا أن أنزل الله تعالى بانتهاء المعركة مطرا غزيرا فرحنا له لأنه جاء بعد نصر (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله) وليفرح الشهداء بلقاء ربهم وهم عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله .. وعدنا إلى معسكرنا آمنين.

الشهيد عبد الحميد خطاب

استشهد في التبة 86، وهو من طلبة الأزهر .. لقد ركبنا معا السيارة من دير البلح في الطريق إلى التبة 86 فأخذته سنة من النوم وهو جالس معنا، فلما استيقظ كان مستبشرا وقال يا إخوتي لقد رأيت (الحور العين) في الجنة ينادونني ويشيرون إلي وإني والله أحس الشهادة، وأسأل الله أن يرزقني إياها، فاستبشرنا جميعا، فكلنا يحب الشهادة ويطلبها، وقد قاتل هذا الأخ أشد ما يكون القتال لاستعادة التبة وكان مستترا بدبابة متقدمة نحو العدو ولكنها فجأة رجعت للخلف لوجود أمطار غزيرة وعدم سيطرة قائدها عليها فقضى الأخ عبد الحميد فنال ما كان يرجوه من الشهادة وذهب بفضل الله إلى جنات النعيم وإلى الحور العين اللاتي كن يشرن إليه .. لقد تحقق أمله وأصبح حلمه حقيقة ونال الخلود في جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين حسن أولئك رفيقا.

عملية محدودة: الجيش يطلب من الإخوان المعتقلين تلغيم المنطقة

وفي ليلة من ليالي ديسمبر حضر إلى أرض المعسكر ثلاثة من ضباط الجيش، من الفرقة 12 التي كانت تمثل موقعا متقدما في المنطقة التي كان يحتلها الإخوان، وهذا الموقع يقع في الجنوب الغربي من صحراء النقب قريبا من مستعمرة كفار ديروم التي أزيلت من الوجود.

قال هؤلاء الضباط: لدينا معلومات أن هناك هجوما سوف يقع علينا وسوف يكرر اليهود محاولاتهم السابقة لاختراق خطوطنا، وسألته القيادة عن المطلوب فقال: نريد تلغيم منطقة الكريرة حتى تحول دون تقدم أية قوات محمولة على آليات ميكانيكية مدرعات كانت أو دبابات، وكذلك وضع شرك خداعية للأفراد.

ولما كنا جميعا على دراية تامة بهذه المنطقة وبدروبها ووديانها فقد صدرت الأوامر إلى قائد المدفعية 81 مم بالقيام بهذه المهمة، وعلى الفور أخذت معي مجموعة من ثلاثة أفراد هم: عبد الرحمن البنان وأبو الفتوح عفيفي وعبد المجيد أحمد حسن، وذهبنا إلى المنطقة، وكانت ليلة حالكة، وبين أشجار الزيتون وبساتين الفاكهة قادنا الضباط إلى موقع القيادة المتقدمة وهو بيت من الطوب اللبن فسيح من الداخل وفي ردهة هذا البيت وفوق الرمال خرج إلينا ضابط طويل القامة حسن المظهر قوي البنية ممسكا بعصاه تحيط به مجموعة من أركان حربه وقدموه إلينا باعتباره قائد الأورطة 12 أي الفرقة 12 التي عليها حماية تلك المنطقة ما بين خان يونس إلى الحدود المصرية.

وفي غرور متعاظم بدأ في شرح الخطة على الأرض الرملية بعصاه ورسم لنا المنطقة التي يريد أن يملأها بالألغام، وذلك في ضوء لمبة غاز خافت.

ولما كنا والحمد لله نعرف مسالك هذه المواقع قلت له على الفور: لقد فهمنا مرادك ولكننا نريد 600 لغم فقال: ليس في سلاح المهندسين كله ستمائة لغم، وقد لاحظت من أول وهلة أن خطته قامت على الخوف وليس على أساس استراتيجي.

كل ذلك وأمامه أربعة شبان لا يتجاوز الواحد منهم العشرين عاما، فقلت له إذن اتركنا للتصرف قال فما المطلوب؟ قلت: نريد مائة وعشرة من الألغام واستأذنته في عصاه التي يمسكها فأعطاني إياها مستغربا!!

قلت: هذه المنطقة – وأشرت إلى جزء من الرسم الذي رسمه على الأرض – يستعاض عنه بهذا الشريط، لأن أي تقدم للمشاة أو المدرعات لا بد أن يمر على هذا الشريط، فوافقني، فأسلمته عصاه، وحضر الجنود وحملوا كمية الألغام إلى المكان المحدد ومعنا بعض الخدع الشراكية للأشخاص وزرعنا جميعا في شكل مثلثات، وكان الإخوة جميعا يقومون بالواجب دون تردد وفي صمت وهدوء، بشجاعة نادرة قام كل من عبد الرحمن البنان وأبو الفتوح عفيفي وعبد المجيد أحمد حسن بزرع الألغام وباستكشاف المنطقة حتى بيوت العربان التي في أسفل الوادي، ثم عدنا إلى القيادة بعد أن أتممنا العمل فحيانا ذلك القائد وعدنا إلى معسكرنا.

إقامتنا بالمعسكر:

بعد معركة التبة 86 وما تلاها قبعنا في معسكرنا نتعجب من هذه الأمة المستضعفة التي استخف بها حكامها وجعلوا من أنفسهم شركاء لله فأذلوها وتحكموا في رقابها حتى تقلدوا أرفع المناصب وما علموا أن الصهاينة قد سيطروا على المال والاقتصاد ووجهوا الحكومات الغربية والشرقية، وهم الذين أشعلوا الحربين العالميتين، وهم يعدون في كل ذلك العدة لينقضوا على دين محمد صلى الله عليه وسلم، وليثأروا من أهله الذين اتبعوه، إن هؤلاء الحكام يجهلون التاريخ أو يتجاهلونه .. نعم لقد دخلنا هذه المعركة ونعلم تاريخ هذه الأمة اليهودية، ولقد صدر قرار حل الإخوان المسلمين في 8/ 12/ 1948 وعرفنا كيفية صدوره، وكيف لعب الإنجليز دورا فيه.

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 170655