التربية العشوائية .. أبناء حسب الظروف

البيت المسلم › عن الأسرة 2014-05-29 عدد القراءات: 369

التربية العشوائية .. أبناء حسب الظروف

آفاق

التربية العشوائية هي أن تربي أبناءك "على مزاجك"، أو وفقا لما تربيت أنت عليه، وفي الغالب هي مزيج بين الاثنين، فالأزواج الجدد غالبا ما يتسامرون حول الأسماء التي يودون منحها لأطفالهم. تحكي الزوجة لزوجها عن مدى حبها للأولاد وأنها تود أن ترزق بولد يشبه أباه لأنها تحبه كثيرا، أما الزوج فيحدث زوجته عن أمنيته في أن يرزقه الله بابنة، لأن البنات أحن على الآباء من الصبيان.. ثم إن البنت قد تدخل أباها الجنة إذا أحسن تربيتها.. لكن هل يتحدث الوالدان عن طريقة تربية الأبناء؟ وهل يأتي الزوج بكتاب عن تربية الأبناء كي تقرأه الأم قبل وضعها..

آباء وأبناء

تقول سميرة 25 سنة: أنا أحب الأطفال بشدة، وأتمنى من الله أن يرزقني بطفلة جميلة لأنني سأقوم بتربيتها كما تربيت، فقد رباني أبواي والحمد لله أحسن تربية، على القيم والأخلاق الحميدة.. ولكني فقط خائفة ألا أنجح في تربية ابنتي كما رباني أبواي.

أما محمد فيقول: بالطبع التربية مهمة المرأة.. فالأب غالبا خارج المنزل، والأم هي المكلفة بتربية الأبناء، وإذا طلبت زوجتي كتابا يتحدث عن كيفية تربية الأبناء سأعطيها المال لتشتريه.. فلا مانع لدي في أن تقرأ زوجتي عن تربية الأبناء.

ومن جانبه يقول هاني: بالطبع لا أريد أن أربي أبنائي تربية عشوائية، ولكني في نفس الوقت لن أربي أبنائي وفقا للنظريات الحديثة الخاصة بعدم ضرب الأبناء نهائيا وعدم تعريضهم لأي مواقف صعبة، فأنا أعمل مدرسا وأعلم جيدا أن الأولاد إن لم يتربوا جيدا فإنهم سيخرجون للمجتمع لا يهمهم شيء، وهنا سينطبق المثل القائل: "على نفسها جنت مراقش"، على آباء هذه الأيام.

وأخيرا كان لـ "هناء" هذا الرأي: أربي أبنائي بشكل جيد، وأحاول أن أتبع كل ما أقرأه عن التربية الجيدة والمناسبة لأطفال هذا الزمان، ولكني في حالات الغضب أو الضغط لا أستطيع أن أتبع هذه الأساليب التي "تفقع المرارة"، فأبنائي أشقياء وأحيانا لا يصلح معهم إلا الحزم والتهديد والصراخ، أما في حالتي الهادئة فإنني أعاقبهم كما يقول الكتاب..

حكاية مجتمع

وفي تعليقها على هذه الآراء تروي فاطمة المهدي، المستشارة التربوية، قصة مجتمعنا العربي من خلال قصة صديقتها فتقول: سألتني صديقة: هل للزواج الناجح شروط؟.. أجبت: بالطبع، وكيف لا؟ ثم أعددت لها شروط الزواج الناجح.. ومرت الأيام.. وتزوجت صديقتي.. فرحت لخبر حملها الأول، ووضعت صديقتي مولودها.. ومرت الأيام.. والسنون، وانتظرت أن تسألني صديقتي عن شروط التربية الناجحة، لكنها لم تفعل.. التزمت الصمت أو آثرته أو هكذا هي فهمت أنها بمجرد الزواج والإنجاب فكأنما وصلت إلى غايتها الكبرى في الحياة، وجاءت اللحظة التي كنت أتوقعها منذ فترة.. "صديقتي تعاني في تربية ابنها".. (لا تعلم كيف تواجه عناده- احتياجاته العمرية- لا تعلم كيف تتواصل معه فهو على حد تعبيرها أفقدها صوابها).

تستطرد المستشارة فتقول: سألت نفسي نفس السؤال الذي يراودني عند حل كل مشكلة: فنحن في بلادنا نقوم بالتحضير ليوم الزفاف؛ الضيوف، فستان ليلة العمر، مكان الفرح، حتى أننا نرتب للطعام الذي نأكله في هذا اليوم قبلها بفترة ليست بقصيرة.. ولكننا في المقابل للأسف لا نطلع على كتالوج الزواج الناجح، ومن ثم التربية الناجحة.. ننسى أو نتناسى أو تلك هي ثقافة مجتمعاتنا التي نصر كتربويين على محاولة تغييرها، وكأننا نسبح ضد التيار.

لماذا لا نطلع على كتالوج التربية قبل الزواج وقبل الحمل أو حتى قبل الوضع؟ فنحن نذهب للطبيب عندما نعاني ألما، وإلى الطبيب النفسي عندما تنتابنا مشكلات نفسية، لكننا وللأسف لا نتبع تلك القاعدة التي نرددها ليل نهار: "الوقاية خير من العلاج".

فتلك المقولة لا تتعدى طرف اللسان، ولا نحاول أبدا أن نطبقها إلا بعد أن تقع الكارثة.

أما بالنسبة للمصطلحات الخاصة بالتربية العشوائية والتربية المنظمة والتربية العلمية، فهي في حقيقة الأمر قد تكون مصطلحات متعارف عليها في مجتمعاتنا بالاسم، ولكننا نراها رأي العين عمليا في بعض الأسر، وأكثرها على الأغلب "التربية العشوائية"، وبالرغم من اختلافي مع التربية العشوائية - رغم أنها الأكثر انتشارا- إلا أنني لست مع التربية العلمية أيضا، لأن أنجح طريقة في التربية هي "التربية الناجحة أو الفعالة"، ولأن هذا المصطلح كبير ومطاط فهناك آباء يرون أن النجاح هو إلحاق أبنائهم بمدارس أجنبية تلبي لهم كل احتياجاتهم التربوية والتعليمية، وهناك آباء يرون أن النجاح هو نجاح الدراسة.. وهناك من يرون أن النجاح هو أن يحصل أبناؤهم على ميداليات وشهادات تقدير في الرياضة التي يلعبونها.

وتؤكد فاطمة المهدي قائلة: إن التربية الناجحة الصحيحة هي تلك التي نراها في حياة نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم في مواقفه الحياتية مع الصحابة، فهذا شاب يسـتأذنه في الزنا، وهذا غلام يده تطيش في الطعام.. وهذا أعرابي يبول في المسجد.. وهؤلاء الرماة تركوا أماكنهم في غزوة أحد.. في كل موقف من هذه المواقف كان نبينا الكريم يتواصل ويحتوي، يوجه تارة وينبه تارة ويعاتب تارة أخرى، ولا ينسى أبدا أن يشجع ويحفز. تلك هي التربية الناجحة.. تربية القدوة وتربية المواقف، فلا نحن تركنا الحبل على الغارب فأصبحت تربيتنا عشوائية بلا هدف، ولا نحن جعلناها جامدة فأصبحت علمية بحتة خالية من أي مشاعر.

وتكمل كلامها فتقول: إن التربية الناجحة لا تتأتي بالاطلاع على الكتب العلمية أو الدورات التربوية فقط، ولا تتأتي بالتعنيف والضرب، إنما تأتي بالتواصل الحميم مع الأبناء، هذا التواصل الذي يحوي بين طياته الرفق في بعض الأمور والحسم في أمور أخرى.. تأتي تلك التربية بالتوجيه السليم في الوقت المناسب، لن تأتي تلك التربية إلا من أب وأم واعيين لدورهما جيدا.. يمسكان العصا من المنتصف، مشاعر حب ومودة وتوجيه وحزم في آن واحد.. وأخيرا فلابد أن يعلم جميع الآباء أن التربية الناجحة تحتاج إلى جهد ووقت وصبر.

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 170646