الرياضة أسلوب من أساليب دعوة النبي

ركن الشباب 2014-06-07 عدد القراءات: 462

الرياضة أسلوب من أساليب دعوة النبي

آفاق

فَلَيْسَ بِدْعًَا مِنَ القَوْلِ أَنَّ لِلْرِيَاضَةِ الأثَرَ الوَاضِحَ فِي نُفُوسِ شَبَابِ الأُمَّةِ وَفِتْيَانِهَا، وَأصْبَحَ الرِّيَاضِيُّ مِمَّنْ يُقَتَدَى بِهِ وَيُحْتَذَى أَثَرُهُ فِي زِيِّهِ ومِشْطَتِهِ وَمِشْيَتِهِ، وَغَدَتْ الرِّيَاضَةُ عُنْوَانًَا لِلْرُقِيِّ وَالحَضَارَةِ، فَإنْ كَانَ مِعْيَارُ التَّقَدُمِ بَيْنَ الأُمَمِ فِيْمَا مَضَى: البِنَاءَ وَالمُطَاوَلَةَ فِيْهِ فَإنَّ مِعْيَارَ تَقَدُّمِ الأُمَّةِ وَنَهْضَتِهَا وَرُقِيِّهَا اليَوْمَ سُرْعَةُ النَّقْلِ وَالموَاصَلاتِ وَتَيْسِيرُ ذَلِكَ وَمِنْ عَنَاوِيْنِهَا البَارِزَةِ التَّقَدُمُ في مَيادِينِ الرِّياضَةِ بِأنْوَاعِهَا.

والإسْلامُ لم يُهْملْ ذَلكَ في رُوحِهِ وَتَشْريعِهِ فَأرَادَ مِنَ الامَّةِ أنْ تُسَخِّرَ الرِّيَاضَةَ لِلدعوةِ الى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالى، وَمِنْ أشْهَرِ مَا اسْتَدَلَ بهِ العُلماءُ عَلى ذَلِكَ حَديثُ مُصَارَعَةِ النبي صلى الله عليه وسلم لرُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ مُرسِلًا رِسَالةً وَاضِحَةً لاتْبَاعِهِ مِنْ هَذَا الجيلِ أنْ يَسْتَخْدِمُوا ذَلِكَ في هَذَا الاطَارِ وَمَنْ كَانَ هَذَا شَأنُهُ أصْبَحَتْ رِيَاضَتُهُ عِبَادَةً لله، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: 162]؛ لأنه قرنها بنية صالحة فعن عُمَرَ ابْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».

وَالمصَارَعَةُ مِنْ أشْهَرِ أنْواعِ الرياضَةِ البدنيةِ في الإسْلامِ، وَلَقَدْ كَانَتْ تُمارَسُ مِنْ قِبَلِ أَفْرَادِ المجتَمَعِ فِي الجَاهِليةِ، وَكَانَتْ حَلَبَةُ المصَارَعَةِ تَحْتَلُّ جَانِبًَا مِنْ جَوانِبِ سُوقِ عُكاظٍ الذي كَانَتْ قَبَائِلُ العربِ تُقِيمهُ كُلَّ عَامٍ، وَلَقَدْ بَلَغَ وُلوعُ العَرَبِ بِالمصارَعَةِ أنْ كَانُوا يَتَجَمَّعُونَ لمشَاهَدَتِها فِي أسْواقِهِم السَّنَويةِ، وَكَانَ مِنْ أشْهَرِ المصَارِعينَ عُمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عَنْهُ قَبْلَ إسْلامِهِ، فَجَاءَ الإسْلامُ وَأقَرَّ هَذِهِ الممَارَسَةَ بينَ أَفْرَادِ المجْتَمَعِ بَعدَ أنْ هَذَّبَ أسَاليبَهَا وَاستَبْعَدَ منهَا مَا لا يليقُ، وَجَعَلَها اسْلُوبًَا مِن أسَاليبِ الدّعوةِ الى الله، وَرَسَّخَ في نَفْسِ المغْلُوبِ مَبَادِئ عَظِيمة فَجَعَل مِنْها مِفْتَاحًَا للدعوةِ إلى الاسْلامِ.

وَتَنَاقَلتِ الاجيالُ حَديثَ المصَارَعَةِ فَجَعلتَهُ وِسَامًَا لهدايةِ الاممِ والافْتِخَارِ عَليهَا بِعِزَّةِ الاسْلامِ فَكَانَ مِنَ المشْهُورينَ بِذَلكَ مِنْ آلِ بيتِهِ صلى الله عليه وسلم محمَّدُ بنُ الحنَفَيةِ، فَيُروى أنَّ مَلِكَ الرُّومِ فِي زَمَانِهِ تَحَدَّى المسلمينَ مَنْ يَصْرَعُ مُصَارِعَهُ الذي قَهَرَ الجبَابِرَةَ وَلم يُطرَحْ عَلى الارْضِ، فَأَرْسَلهُ مُعَاويةُ بنُ أبي سُفيانَ سَفِيرًا وَممثلًا لِلمسلمينَ في هَذِهِ المنَازَلةِ فَهَزَمَهُ هَزِيمةً تَنَاقَلَتْهَا كُتُبُ التَاريخِ وَرَفَعَهُ مَرَّاتٍ عَدِيدة، وَجَلَدَ بهِ الأرضَ، فَاقَرَّ مَلكُ الرُومِ بِذَلكَ.

وَمِنْ هَذا المنطلقِ وَدِدْتُ انْ اُسَلِطَ الاضْواءَ عَلى حَدِيثِ مُصَارَعِتِه صلى الله عليه وسلم لرُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ، وَكيفَ كَانَ سَبَبًا لإسلامِهِ بِدَراسةٍ حَديثيةٍ تَحْليليةٍ ثُمَّ اخَذْتُ الفَوائِدَ المسْتنبطةَ مِنْ هَذَا الحَديثِ؛ لأُدَلِلَ عَلى المقْصُودِ سَائِلًا المولى أنْ يَتَقَبَّلَ مِنِّي ذَلِك وهُو القَادِرُ عَليهِ.

حديث الباب:

قال أبو داود: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِىُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْعَسْقَلاَنِىُّ عَنْ أَبِى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىِّ بْنِ رُكَانَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رُكَانَةَ صَارَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَصَرَعَهُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم... ؟

وتفصيل ذلك ما رواه ابن اسحاق في سيره فقال: وَحَدّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، قَالَ كَانَ رُكَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ أَشَدّ قُرَيْشٍ، فَخَلَا يَوْمًا بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي بَعْضِ شِعَابِ مَكّةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَا رُكَانَةُ أَلَا تَتّقِي اللّهَ، وَتَقْبَلُ مَا أَدْعُوك إلَيْهِ؟ قَالَ إنّي لَوْ أَعْلَمُ أَنّ الّذِي تَقُولُ حَقّ لَاتّبَعْتُك، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَفَرَأَيْت إنْ صَرَعْتُك، أَتَعْلَمُ أَنّ مَا أَقُولُ حَقّ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَقُمْ حَتّى أُصَارِعَك. قَالَ فَقَامَ إلَيْهِ رُكَانَةُ يُصَارِعُهُ فَلَمّا بَطَشَ بِهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَضْجَعَهُ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا، ثُمّ قَالَ عُدْ يَا مُحَمّدُ فَعَادَ فَصَرَعَهُ فَقَالَ يَا مُحَمّدُ وَاَللّهِ إنّ هَذَا لَلْعَجَبُ أَتَصْرَعُنِي فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ إنْ شِئْت أَنْ أُرِيكَهُ إنْ اتّقَيْت اللّهَ وَاتّبَعْت أَمْرِي، قَالَ مَا هُوَ؟ قَالَ أَدْعُو لَك هَذِهِ الشّجَرَةَ الّتِي تَرَى فَتَأْتِينِي، قَالَ اُدْعُهَا، فَدَعَاهَا، فَأَقْبَلَتْ حَتّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ فَقَالَ لَهَا: ارْجِعِي إلَى مَكَانِك. قَالَ فَرَجَعَتْ إلَى مَكَانِهَا قَالَ فَذَهَبَ رُكَانَةُ إلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ سَاحِرُوا بِصَاحِبِكُمْ أَهْلَ الْأَرْضِ فَوَاَللّهِ مَا رَأَيْت أَسْحَرَ مِنْهُ قَطّ، ثُمّ أَخْبَرَهُمْ بِاَلّذِي رَأَى، وَاَلّذِي صَنَعَ.

وقال عبدالرزاق: أخبرنا معمر عن يزيد بن أبي زياد قال أحسبه عن عبدالله بن الحارث قال صارع النبي صلى الله عليه و سلم أبا ركانة في الجاهلية وكان شديدا فقال شاة بشاة فصرعه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال أبو ركانة: عاودني فصارعه فصرعه رسول الله صلى الله عليه و سلم أيضا فقال عاودني في أخرى فعاوده فصرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا فقال أبو ركانة هذا أقول لأهلي شاة أكلها الذئب وشاة تكسرت فماذا أقول للثالثة فقال النبي صلى الله عليه و سلم ما كنا لنجمع عليك أن نصرعك ونغرمك خذ غنمك.

وقال أبو نعيم: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمَّادٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ، أَنْبَأَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ:

" كَانَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: رُكَانَةُ وَكَانَ مِنْ أَفْتَكِ النَّاسِ وَأَشَدِّهِمْ، وَكَانَ مُشْرِكًا، وَكَانَ يَرْعَى غَنَمًا لَهُ فِي وَادٍ يُقَالُ لَهُ أَضَمٌ، فَخَرَجَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْتِ عَائِشَةَ ذَاتَ يَوْمٍ فَتَوَجَّهَ قِبَلَ ذَلِكَ الْوَادِي فَلَقِيَهُ رُكَانَةُ وَلَيْسَ مَعَ نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ، فَقَامَ إِلَيْهِ رُكَانَةُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ الَّذِي تَشْتُمُ آلِهَتَنَا اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَتَدَعُو إِلَى إِلَهِكَ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، لَوْلَا رَحِمٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ مَا كَلَّمْتُ الْكَلَامَ يَعْنِي: حَتَّى أَقْتُلَكَ، وَلَكِنِ ادْعُ إِلَهَكَ الْعَزِيزَ الْحَكِيمَ يُنَجِّيكَ مِنِّي الْيَوْمَ وَسَأَعْرِضُ عَلَيْكَ أَمْرًا هَلْ لَكَ إِنْ صَارَعْتُكَ وَتَدَعُو إِلَهَكَ الْعَزِيزَ الْحَكِيمَ فَيُعِينُكَ عَلَيَّ، وَأَنَا أَدْعُو اللَّاتَ وَالْعُزَّى، فَإِنْ أَنْتَ صَرَعْتَنِي فَلَكَ عَشْرٌ مِنْ غَنَمِي هَذِهِ تَخْتَارُهَا؟ فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" نَعَمْ، إِنْ شِئْتَ" فَاتَّحَدَا، فَدَعَا نَبِيُّ اللهِ إِلَهَهُ الْعَزِيزَ الْحَكِيمَ أَنْ يُعِينَهُ عَلَى رُكَانَةَ، وَدَعَا رُكَانَةُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى: أَعِنِّي الْيَوْمَ عَلَى مُحَمَّدٍ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَرَعَهُ وَجَلَسَ عَلَى صَدْرِهِ، فَقَالَ رُكَانَةُ: قُمْ، فَلَسْتَ الَّذِي فَعَلْتَ بِي هَذَا إِنَّمَا إِلَهُكَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَخَذَلَنِي اللَّاتُ وَالْعُزَّى، وَمَا وَضَعَ جَنْبِي أَحَدٌ قَبْلَكَ، فَقَالَ لَهُ رُكَانَةُ: فَإِنْ أَنْتَ صَرَعْتَنِي فَلَكَ عَشْرٌ أُخْرَى تَخْتَارُهَا، فَأَخَذَهُ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَهَهُ، كَمَا فَعَلَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَلَسَ عَلَى كَبِدِهِ، فَقَالَ لَهُ رُكَانَةُ: لَسْتَ أَنْتَ الَّذِي فَعَلْتَ بِي هَذَا إِنَّمَا فَعَلَهُ إِلَهُكَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَخَذَلَنِي اللَّاتُ وَالْعُزَّى، وَمَا وَضَعَ جَنْبِي أَحَدٌ قَبْلَكَ، فَقَالَ رُكَانَةُ: فَإِنْ أَنْتَ صَرَعْتَنِي فَلَكَ عَشْرٌ أُخْرَى تَخْتَارُهَا، فَأَخَذَهُ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَهَهُ، كَمَا فَعَلَا أَوَّلَ مَرَّةٍ فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ لَهُ رُكَانَةُ: لَسْتَ أَنْتَ الَّذِي فَعَلْتَ بِي هَذَا، إِنَّمَا فَعَلَهُ إِلَهُكَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَخَذَلَنِي اللَّاتُ وَالْعُزَّى، فَدُونَكَ ثَلَاثِينَ شَاةً مِنْ غَنَمِي فَاخْتَرْهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا أُرِيدُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَدْعُوكَ إِلَى الْإِسْلَامِ يَا رُكَانَةُ، وَأَنْفَسُ بِكَ أَنْ تَصِيرَ إِلَى النَّارِ، إِنَّكَ إِنْ تُسْلِمْ تَسْلَمْ"، فَقَالَ لَهُ رُكَانَةُ: لَا إِلَّا أَنْ تُرِيَنِي آيَةً، فَقَالَ لَهُ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللهُ عَلَيْكَ شَهِيدٌ، لَئِنْ أَنَا دَعَوْتُ رَبَّكَ فَأَرَيْتُكَ آيَةً لَتُجِيبُنِي إِلَى مَا أَدْعُوكَ إِلَيْهِ؟" قَالَ: نَعَمْ، وَقَرِيبٌ مِنْهُمَا شَجَرَةُ سَمُرٍ ذَاتُ فُرُوعٍ وَقُضْبَانٍ، فَأَشَارَ إِلَيْهَا نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لَهَا: " أَقْبِلِي بِإِذْنِ اللهِ" فَانْشَقَّتْ بِاثْنَيْنِ فَأَقْبَلَتْ عَلَى نِصْفِ سَاقِهَا وَقُضْبَانِهَا وَفُرُوعِهَا حَتَّى كَانَتْ بَيْنَ يَدَيْ نَبِيِّ اللهِ وَبَيْنَ رُكَانَةَ، فَقَالَ لَهُ رُكَانَةُ: أَرَيْتَنِي عَظِيمًا، فَمُرْهَا فَلْتَرْجِعْ، فَقَالَ لَهُ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " عَلَيْكَ اللهُ شَهِيدٌ، إِنْ أَنَا دَعَوْتُ رَبِّي ثُمَّ أَمَرْتُهَا فَرَجَعَتْ لَتُجِيبُنِي إِلَى مَا أَدْعُوكَ إِلَيْهِ؟" قَالَ: نَعَمْ , فَأَمَرَهَا، فَرَجَعَتْ بِقُضْبَانِهَا وَفُرُوعِهَا، حَتَّى إِذَا الْتَأَمَتْ بِشِقِّهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَسْلِمْ تَسْلَمْ" فَقَالَ لَهُ رُكَانَةُ: مَا بِي إِلَّا أَنْ أَكُونَ قَدْ رَأَيْتُ عَظِيمًا، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أَنْ تَسَامَعَ نِسَاءُ الْمَدِينَةِ وَصِبْيَانُهُمْ أَنِّي إِنَّمَا أَجَبْتُكَ لِرُعْبٍ دَخَلَ قَلْبِي مِنْكَ وَلَكِنْ قَدْ عَلِمَتْ نِسَاءُ الْمَدِينَةِ وَصِبْيَانُهُمْ أَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ جَنْبِي قَطُّ وَلَمْ يَدْخُلْ قَلْبِي رُعْبٌ سَاعَةً قَطُّ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا، وَلَكِنْ دُونَكَ، فَاخْتَرْ غَنَمَكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَيْسَ بِي حَاجَةٌ إِلَى غَنَمِكَ إِذَا أَبِيتَ أَنْ تُسْلِمَ"، فَانْطَلَقَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا وَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَلْتَمِسَانِهِ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهُمَا أَنَّهُ قَدْ تَوَجَّهَ قِبَلَ وَادِي أَضَمٍ، وَقَدْ عَرَفَا أَنَّهُ وَادِي رُكَانَةَ لَا يَكَادُ يُخْطِئُهُ، فَخَرَجَا فِي طَلَبِهِ وَأَشْفَقَا أَنْ يَلْقَاهُ رُكَانَةُ فَيَقْتُلَهُ فَجَعَلَا يَتَصَاعَدَانِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ وَيَتَشَرَّفَانِ لَهُ، إِذْ نَظَرَا نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقْبِلًا فَقَالَا: يَا نَبِيَّ اللهِ، كَيْفَ تَخْرُجُ إِلَى هَذَا الْوَادِي وَحْدَكَ وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ جِهَةُ رُكَانَةَ وَأَنَّهُ مِنْ أَقْتَلِ النَّاسِ وَأَشَدِّهِمْ تَكْذِيبًا لَكَ؟ فَضَحِكَ إِلَيْهِمَا، ثُمَّ قَالَ: " أَلَيْسَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِي: ﴿ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ [المائدة: 67]؟ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصِلُ إِلَيَّ وَاللهُ مَعِي" فَأَنْشَأَ يُحَدِّثُهُمَا حَدِيثَ رُكَانَةَ وَالَّذِي فَعَلَ بِهِ وَالَّذِي أَرَاهُ، فَعَجِبَا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَرَعْتَ رُكَانَةَ، فَلَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا وَضَعَ جَنْبَيْهِ إِنْسَانٌ قَطُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنِّي دَعَوْتُ اللهَ رَبِّي فَأَعَانَنِي عَلَيْهِ، وَإِنَّ رَبِّي أَعَانَنِي بِبِضْعَ عَشْرَةَ وَبِقُوَّةِ عَشْرَةٍ".

وقال أيضًا: رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِرُكَانَةَ بْنِ يَزِيدَ أَوْ قَالَ: يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ، وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ مَعَهُ أَعْنُزٌ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتُصَارِعُنِي؟ قَالَ: " وَمَا تُسْبِقُنِي " قَالَ: شَاةٌ، فَصَارَعَهُ فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَتُعَاوِدُنِي؟ فَعَاوَدَهُ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَقَالَ: مَا وَضَعَ جَنْبِي أَحَدٌ قَطُّ وَمَا أَنْتَ تَصْرَعُنِي، قَالَ حَمَّادٌ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: فَأَسْلَمَ وَرَدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَمَهُ ".

وقال الفكاهي: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حَسَنٍ الْأَزْدِيُّ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ هِشَامٍ: يَعْنِي ابْنَ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَضَ عَلَى رُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْإِسْلَامَ، وَدَعَاهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَكَانَ رُكَانَةُ مِنْ أَشَدِّ الْعَرَبِ، لَمْ يَصْرَعْهُ أَحَدٌ قَطُّ، فَقَالَ: لَا يُسْلِمُ حَتَّى تَدْعُوَ شَجَرَةً فَتُقْبِلَ إِلَيْكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَشَجَرَةٍ وَهُوَ بِظَهْرِ مَكَّةَ: " أَقْبِلِي بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ "، وَكَانَتْ طَلْحَةً أَوْ سَمُرَةً قَالَ: فَأَقْبَلَتْ وَرُكَانَةُ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ سِحْرًا أَعْظَمَ مِنْ هَذَا، مُرْهَا فَلْتَرْجِعْ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" ارْجِعِي بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى "، فَرَجَعَتْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَسْلِمْ " قَالَ: لَا وَاللهِ حَتَّى تَدْعُوَ نِصْفَهَا فَيُقْبِلَ إِلَيْكَ، وَيَبْقَى نِصْفُهَا فِي مَوْضِعِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنِصْفِهَا: " أَقْبِلْ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى "، فَأَقْبَلَ وَرُكَانَةُ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ سِحْرًا أَعْظَمَ مِنْ هَذَا، مُرْهَا فَلْتَرْجِعْ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ارْجِعِي بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ "، فَرَجَعَتْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَسْلِمْ "، فَقَالَ لَهُ رُكَانَةُ: لَا حَتَّى تُصَارِعَنِي، فَإِنْ صَرَعْتَنِي أَسْلَمْتُ، وَإِنْ صَرَعْتُكَ كَفَفْتَ عَنْ هَذَا الْمَنْطِقِ قَالَ: فَصَارَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَرَعَهُ، وَأَسْلَمَ رُكَانَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ ".

وقال البلاذري: وَقَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُكَانَةَ بن عبديزيد، وَكَانَ أَشَدَّ الْعَرَبِ، لَمْ يَصْرَعْهُ أَحَدٌ قَطُّ. فدعاه إلى إسلام. فَقَالَ: واللَّه لا أُسْلِمُ حَتَّى تَدْعُوَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ. وَكَانَتْ سَمْرَةً أَوْ طَلْحَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَقْبِلِي بِإِذْنِ اللَّه. فَأَقْبَلَتْ تَخُدُّ الأَرْضَ خَدًّا. فَقَالَ رُكَانَةُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ سِحْرًا أَعْظَمَ، فَمُرْهَا فَلْتَرْجِعْ. فَقَالَ: ارْجِعِي بِإِذْنِ اللَّه. فَرَجَعَتْ. فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ، أَسْلِمْ. فَقَالَ: إِنْ صَرَعْتَنِي أَسْلَمْتُ، وَإِلا فَغَنَمِي لَكَ، وَإِنْ صَرَعْتُكَ، كَفَفْتَ عَنْ هَذَا الأَمْرِ. وَكَانَ رُكَانَةُ أَشَدَّ النَّاسِ، مَا صَرَعَهُ أَحَدٌ قَطُّ. فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَرَعَهُ ثلاثا. فقال: يابن الْعَمِّ، الْعَوْدَ. فَصَرَعَهُ أَيْضًا ثَلاثًا، فَقَالَ: أَسْلِمْ. فَقَالَ: لا. قَالَ: فَإِنِّي آخُذُ غَنَمَكَ. قَالَ: فَمَا تقول لقريش؟ قال: أقول صارعته، فصرعت فَأَخَذْتُ غَنَمَهُ. قَالَ: فَضَحْتَنِي وَخَزَيْتَنِي. قَالَ: فَمَا أَقُولُ لَهُمْ؟ قَالَ: قُلْ لَهُمْ قَمَرْتُهُ. قَالَ: إِذًا أَكْذِبُ. قَالَ: أَوَ لَسْتَ فِي كَذِبٍ مِنْ حِينِ تُصْبِحُ إِلَى حِينِ تُمْسِي؟ قَالَ: خُذْ غَنَمَكَ. قَالَ: فَأَنْتَ واللَّه خَيْرٌ مِنِّي وَأَكْرَمُ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْكَ.

تخريج الحديث:

أخرجه عَنْ أَبِى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىِّ بْنِ رُكَانَةَ عَنْ أَبِيهِ رضيَ الله عنه ابو داود في سننه ، والترمذي في سننه، والحاكم في المستدرك، والطبراني في المعجم الكبير، و البيهقي في شعب الإيمان.

وأخرجه عن عبدالله بن الحارث رضيَ الله عنه، ومعمر بن راشد في الجامع[.

وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ رضيَ الله عنه.

ورواه أبو داود في المراسيل عن سعيد بن جبير مرسلا، وأبو نعيم في معرفة الصحابة، والبيهقي في السنن الكبرى.

رواه البَلَاذُري  الفكاهي عن ابن عباس رضيَ الله عنه موصولا.

الحكم على الحديث:

قال الترمذي بعد إخراجه: هذا حديث حسن غريب وإسناده ليس بالقائم ولا نعرف أبا الحسن العسقلاني ولا ابن ركانة، وقال الألباني في تعليقه عليه: ضعيف.

قال ابن حبان عند حديث ابي داود: وفى إسناد خبره نظر ، وقال الألباني عنه: ضعيف.

وقال البيهقي بعد سوقه لمرسل سعيد بن جبير: وَهُوَ مُرْسَلٌ جَيِّدٌ وَقَدْ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ آخَرَ مَوْصُولًا إِلَّا أَنَّهُ ضَعِيفٌ وَاللهُ أَعْلَمُ. ووصل البَلَاذُري، الفكاهي هذا المرسل عن ابن عباس رضيَ الله عنه".

وقال ابن حجر: وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي "الْمَرَاسِيلِ" عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ...إسْنَادُهُ صَحِيحٌ إلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، إلَّا أَنَّ سَعِيدًا لَمْ يُدْرِكْ رُكَانَةَ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرُوِيَ مَوْصُولًا.

قُلْت: هُوَ فِي أَحَادِيثِ أَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ، وَفِي كِتَابِ "السَّبْقِ وَالرَّمْيِ"، لِأَبِي الشَّيْخِ، مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الله بن يزيد المقرئ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مطولاً.

وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مطولاً، وإسناداهما ضَعِيفَانِ.

وبعد جمع الطرق موصولها ومرسلها تبين لي ان الحديث له شواهد يتقوى بها فيصل في أدنى احواله الى درجة الحسن لغيره وما قاله العلماء فيه "ضعيف" فهو من الضعيف المحتمل الذي ينجبر بغيره وما انتقد فيه فهو ليس اصل حادثة المصارعة وإنما الزيادة التي وردت في الحديث ابي داود انه قال - أي ركانة- وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ، الْعَمَائِمُ عَلَى الْقَلَانِسِ، وعليه يستدل به في اصله حتى قال ابن حجر تلخيصه ناقلا عن الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ قوله: حدِيثُ رُكَانَةَ أَمْثَلُ مَا رُوِيَ فِي مُصَارِعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والله اعلم بالصواب.

ترجمة الصحابي:

رُكَانَةُ وَهُوَ بِضَم الرَّاء وَتَخْفِيف الْكَاف، وبالنون، وَلَيْسَ فِي الْأَسْمَاء ركَانَة غَيره ، ابْنُ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ المطلبي بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ، القرشي الحجازي، وَأُمُّهُ الْعَجِلَةُ بِنْتُ الْعَجْلَانِ بْنِ الْبَيَّاعِ بن عبدياليل بن ناشب بن غيرة، مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ كِنَانَةَ، يكنى أبا يزيد وليس هو من بني هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أشد الناس، صَارَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَ، وَسَكَنَ الْمَدِينَةَ، وبَقِيَ إِلَى زَمَنِ عُثْمَانَ، وَيُقَالُ: تُوُفِّيَ فِي أَوَّلِ أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ، وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، وولده بالمدينة، ومنازلهم في دار عقيل بن أبي طالب بالبقيع، وأطعمه النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقَسَمَ لَهُ مِنَ الْكَثِيبَةِ، وَهُوَ وَادٍ خَاصٌّ مِنْ خَيْبَرَ، خَمْسِينَ وَسْقًا، وهو الذي طلق امرأته سهيمة بنت عويمر بالمدينة، رَوَى عَنْهُ أخوه طلحة، وابْنُ عَبَّاسٍ، وابنه محمد بن ركانة، وابن أخيه نافع بن عجير، وابن ابنه علي بن يزيد بن ركانة وقيل عن يزيد بن ركانة، وأخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة. ومن حديثه عن النبي صلى الله عليه و سلم: " إن لكل دين خلقا وخلق هذا الدين الحياء ". وهو الذي طلق زوجته "البته".

ما يؤخذ من النص:

قال الماوردي: ِ

الصِّرَاع حكمه عَلَى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ جَائِزٌ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم في مصارعته لركانة فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ السَّبْقِ عَلَى الصِّرَاعِ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّبْقُ عَلَى الصِّرَاعِ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ مِنَ السَّبْقِ بِالْأَقْدَامِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ قِيلَ: إِنَّ السَّبْقَ عَلَى الصِّرَاعِ لَا يَجُوزُ، فَالسَّبْقُ عَلَى الْمُشَابَكَةِ بِالْأَيْدِي لَا يَجُوزُ، وَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِهِ فِي الصِّرَاعِ، فَفِي جَوَازِهِ بِالْمُشَابَكَةِ وَجْهَانِ كَالسِّبَاحَةِ.

وقال ابن حجر الهيتمي:

أخْذُه صلَّى الله عليه وسلَّم المالَ منه -أي من ركانة- لا يقتضى جَواز أخْذه فِي المُصارَعة ويُوجَّه بوجهين:

أحدهما: أنَّ الظاهر أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم إنما أراد أنْ يُبيِّن غلبَه وعجزَه من وجهين صرَعَه وأخذ ماله فلمَّا ظهر ذلك ردَّه إليه.

ثانيهما: لو سلَّمنا خلاف هذا الظاهر لم يكن فيه حجَّة أيضًا؛ لأنَّ رُكانة إذ ذاك كان كافرًا، فهو حربيٌّ يجوزُ أَخْذُ ماله مُطلقًا، ومن ثَمَّ لَمَّا أسلم تفضَّل عليه صلَّى الله عليه وسلَّم وردَّ إليه غنمه، ثم بتقدير صحَّة تلك الأحاديث يتعيَّن حملُها على أنهما واقعتان.

وقال وهبة الزحيلي ملخصا ما قاله العلماء:

والمسابقة مستثناة من ثلاثة أمور ممنوعة: هي القمار، وتعذيب الحيوان لغير الأكل، وحصول العوض والمعوض عنه لشخص واحد، وذلك إذا قدم العوض كلا المتسابقين ليأخذه السابق.

وهي نوعان: مسابقة بغير عوض، ومسابقة بعوض، أما المسابقة بغير عوض: فتجوز مطلقًا من غير تقييد بشيء معين كالمسابقة على الأقدام والسفن والطيور والبغال والحمير والفيلة. وكذلك تجوز المصارعة ورفع الحجر ليعرف الأشد.

وأما المسابقة بعوض: فلا تجوز عند الحنفية إلا في أربعة أشياء: في النصل، والحافر، والخف، والقدم؛ لأن الثلاثة الأولى آلات الحرب المأمور بتعلمها، لقوله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾ [الأنفال: 60] فسر النبي صلّى الله عليه وسلم القوة بالرمي. وقال عليه الصلاة والسلام: « ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله، فإنهن من الحق»، ودليل المسابقة على الأقدام والمصارعة.

قلت: وأهم ما يؤخذ من النص ان النبي صلى الله عليه وسلم جعل من المصارعة اسلوبا من اساليب الدعوة الى الله تعالى وربطها بالمعجزة ايضا لتكون سببا لدخوله للإسلام.

ويؤخذ من النص أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسقط حقه من الغنم بعد استحقاقه ذلك ليقترب من نفس المغلوب في دعوته الى الله تعالى.

من أجل ذلك كان الأثر واضحا في نفس ركانة بدخوله للإسلام وإعلانه شهادة ان لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله هذا الرجل المتكل بالعضلات لم ينقل لنا احاديث الجهاد ولا المقاتلة ولا غيرها من ابواب الاسلام وإنما نقل لنا حديثا واحدا وهو " إن لكل دين خلقا وخلق هذا الدين الحياء ".

وقد عالج رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسيه هذا المصارع المفعم بالحيوية عند غضبه في بعض الأحيان وتطليقه أن ركانة طلق امرأته ثلاثا؛ فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال له: النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس؟ أم مجالس قال: بل في مجلس واحد فردها عليه

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 170520