الاستئناس والاستئذان في القرآن

مقالات وآراء › تربوية 2014-07-06 عدد القراءات: 377

بقلم: د. ماجد رجب سكر

الاستئناس والاستئذان في القرآن

آفاق

"استأنس" و "استأذن" فعلان, قد يُظن أنهما بمعنى واحد, وهو طلب الإذن في الدخول, وهذا غير صحيح.

لقد استخدم التعبير القرآني الفعلين, وجعل لكل منهما معنى.

"استأنس: الأنس النفسي"

كلمة "آنس" – فعل ماض من الإيناس - وردت ثلاث مرات في سياق واحد, وهو قصة موسى –عليه السلام- فلما عاد من مدين إلى مصر, ضل الطريق ليلاً في الصحراء, فرأى ناراً على جبل الطور من بعيد, فلما رآها: [قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ ...] {القصص:29}

والكلمة فيها معنى "الأنس" النفسي الشعوري, إذ ارتاحت نفس موسى عليه السلام لما رأى النار من بعيد, وتوقع أن يجد عندها الدليل.

وقد أوجب الله على المسلمين "الاستئناس" عند الدخول لبيوت الآخرين, فقال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا] {النور:27}

"استأذن: الإذن المادي"

كما أوجب الله على المسلمين "الاستئذان" عند الدخول للبيوت, وورد في هذا أكثر من آية.

قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ... وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ] {النور: 58-59} لقد وردت الكلمتان في موضوع واحد, وهو آداب دخول البيوت.

كل من الفعلين "استأنس" و "استأذن" يدل على معنى الطلب –الهمزة والسين والتاء تدل على الطلب-.

لكن "استأنس" يدل على طلب الأنس, و"استأذن" يدل على طلب الإذن.

والفرق بينهما من وجهين:

الأول: أن الاستئناس يسبق الاستئذان, أي أنه مرحلة أولى, بينما الاستئذان مرحلة ثانية.

فإذا أراد مسلم زيارة أخيه في بيته, فلا بد أن يستأنس قبل أن يستأذن؛ ولهذا أوجب الله علينا ذلك بقوله: [حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا].

إنه قبل أن يخرج من بيته إلى بيت أخيه "يستأنس" فيسأل نفسه: هل يحصل على الأُنس عند أخيه؟ وهل يأنس أخوه به ويأنس إليه؟ هل هذا وقت مناسب للزيارة؟ أم أنه غير مناسب, وسيكون زائراً ثقيل الزيارة!

فإذا توقع الأُنس والإيناس, واستأنس بالزيارة, فإنه يخرج من بيته, ويذهب إلى بيت أخيه, ويطرق بابه, وهذا هو الاستئذان.

ثم إن الاستئناس حركة نفسية شعورية ذاتية, بينما الاستئذان حركة مادية عملية خارجية تتصل بالآخرين.

الفرق الثاني: أن "الاستئناس" مطلوب من الزائر الخارجي الذي ليس من أهل البيت, ليكون وقته مناسباً للزيارة, ثم يأتي الاستئذان.

أما "الاستئذان" فهو حركة داخلية, مطلوب من أهل المنزل وموظفيه وخدمه وعبيده: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنْكُمْ] و [وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ]

إن الاستئناس في التعبير القرآني, للقادم من بعيد, في الوقت المناسب, قبل الاستئذان, وعند وقوفه على باب البيت.

أما الاستئذان فهو لمن كان داخل البيت, يطرق الأبواب الداخلية لحجرات البيت! – والله أعلم-.

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 170544