في ظلال الانتصار .. خماسيات مختارة

مقالات وآراء › تربوية 2014-09-13 عدد القراءات: 455

بقلم: آفاق تربوية

في ظلال الانتصار .. خماسيات مختارة

آفاق

لا يمثل الانتصار الواضح في معركة العصف المأكول حدثاً عابراً، أو أمراً عادياً، بل هو يشكل منعطفاً هاماً في مسيرة تحرير فلسطين من دنس المحتلين، ونقلة نوعية في تجربة المقاومة الإسلامية العسكرية والسياسية ضد الاحتلال الصهيوني، الأمر الذي يوفّر مادة خصبة للدراسة والتحليل، على جميع المستويات والصعد، وهو ما يجدر بأبناء الحركة الإسلامية في الساحات المختلفة القيام به وتنفيذه.

ولأن الدروس والعبر المستفادة من هذه المعركة كثيرة جداً، إلا أنني سأقف خمس وقفات مع بعض الأسباب التي أدت لتحقيق هذا الانتصار، والصمود الأسطوري، رغم همجية الاحتلال وشراسته.

الخماسية الأولى: الثبات على المبادئ، وعدم التنازل عنها رغم كل ما واجهته الحركة من تحديات ومصاعب. فمبادئ الحركة القائمة على عدم الاعتراف بشرعية الاحتلال، واعتباره عدواً تجب محاربته وطرده من كافة فلسطين، أعطى للحركة مصداقية عالية لدى أبناء الشعب الفلسطيني، رغم أنها دفعت في سبيل ذلك آلاف الشهداء والمعتقلين، ناهيك عن الحصار والتضييق. لكن هذا الثبات أعطى الحركة قوة سياسية واستمراراً للوجود، وأكسبها احترام شعبها، الأمر الذي يفسر حالة الالتفاف الواضحة حول الحركة وبرنامجها المقاوم، فهي لم تتنازل عن مبادئها في جميع الظروف التي مرت بها، حتى حينما استلمت الحكم وفازت بثقة الشعب الفلسطيني، بقيت متمسكة بثوابتها التي أسست عليها، لا تحيد عنها ولا تبدلها بغيرها.

الخماسية الثانية: سرية العمل العسكري، والبعد عن الإشهار والظهور الإعلامي، والانشغال بالإعداد الجيد، وتجاهل كافة الإشاعات المغرضة التي وجهت للحركة واستعدادها العسكري في الفترة الماضية. فعلى سبيل المثال، رغم كل ما أثير حول الأنفاق التي أنشأتها المقاومة من شائعات وأكاذيب، إلا أنها آثرت الصمت لترد على كل المشككين والمرجفين بالوقت المناسب، وتحقق في ذات الوقت عنصر المفاجأة في المعركة والذي يعتبر واحداً من عناصر قوة المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها كتائب القسام، حيث عجزت أجهزة الاستخبارات الخاصة بدولة الاحتلال، وشبكة عملائه وجواسيسه عن الكشف عنها أو التنبؤ بها، مما أوقع بجنوده خسائر كبيرة، وألحق بهم هزيمة نفسية في أول أيام الحرب. وفي هذا درس بالغ الأهمية يتمثل بأنه لا يشترط أن تنشغل الحركة الإسلامية بالرد على كل إشاعة تستهدفها، ولا يشترط لصحة الإعداد أن يظهر كل شيء على وسائل الإعلام المختلفة، بل لابد أن يكون جاهزاً وقت الحاجة إليه، تماماً كما حصل في حرب العصف المأكول.

الخماسية الثالثة: لا نصر دون تضحية، ولا تضحية دون مصابرة ومجاهدة، فالنصر لم يأت إلا بعد تضحيات كبيرة قدّمها الشعب الفلسطيني على مدار عقود عديدة، وهذه سنة اجتماعية تنطبق على كل المجتمعات التي تسعى للتحرر من الاحتلال والهيمنة، فالحقوق لا توهب، وإنما تنتزع انتزاعاً، ودحر المحتل لا يكون إلا بحمل السلاح، والصبر على أذاه وهمجيته. ولهذا قدم الشعب الفلسطيني عموماً، وحركة حماس خصوصاً، خيرة أبناء هذا الشعب، على رأسهم الشيخ المؤسس أحمد ياسين، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، وغيرهم من المجاهدين الأبطال. وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذه التضحيات كانت زاداً لأبناء الحركة لمواصلة الدرب والطريق نحو النصر والتحرير، فالتضحية سبب لقوة الدعوات واستمرار وهجها وشعلتها، ولا غرابة أن جعل الإمام الشهيد حسن البنا ركن التضحية كأحد أركان البيعة، لما يجلبه للدعوة من عزة ونصر ودافعية لاستمرار العمل، ونيل ما عند الله من النعيم والثواب.

الخماسية الرابعة: عدم الرضا بالواقع، والتذمر من سوء الظروف والأحوال المحيطة، فرغم ما صاحب ثورات الربيع العربي من ردة على نتائجها، ورغم ما تعرضت له حماس من اتهامات ومحاربة وتضييق، إلا أنها لم تلجأ للتذمر أو الاستسلام، بل وقفت ببسالة تصد عدوان الاحتلال عليها، وتضرب صوراً بطولية رغم حالة التواطؤ والخذلان التي واجهتها، غير آبهة بمدى تردي الظروف المحيطة. وهي بصمودها طوّعت الظروف لتتناغم مع تطلعاتها، ولتكسب جولة المعركة، رغم كل محاولات التآمر عليها خصوصاً وعلى الشعب عموماً. ويدخل في هذا الأمر عدم الاكتفاء بالأقوال، والمبشرات وقوة الحق. فرغم أن قضية فلسطين هي أعدل القضايا على الإطلاق، ورغم أن أبناء الحركة يؤمنون بأن النصر قادم لا محالة، إلا أنهم لم يركنوا إلى ذلك، ولم يكتفوا بتاريخهم النضالي، بل أكدوا في حربهم هذه أن الحق لابد من قوة تحيمه وتقويه، ولا بد لأصحابه أن يدافعوا عن حقوقهم حتى يحصلوا عليها ويكسبوها. وهذه الحقيقة التي لابد أن يدركها الصف المسلم، أن النصر يأتي بالعمل الدؤوب، والسعي لتغيير الواقع ولا يأتي بالأقوال والتنظير فحسب.

الخماسية الخامسة: الالتحام مع أفراد الشعب بكافة أطيافهم، فالحركة جزء من الشعب، وقادتها وأفرادها لا يعيشون في أبراج عاجية، أو في زوايا منعزلة عن البقية، بل هم يفرحون ويتألمون ويعانون ويقدمون الشهداء كبقية أبناء فلسطين، لا انفصال بينهم، الأمر الذي أثبت صدقهم لتبنيهم مطالب شعبهم، والدفاع عن حقوقه وقضاياه. وهو يفسر حالة الالتفاف الشعبي حول الحركة رغم الظروف العصيبة التي مر بها القطاع المحاصر على مدار سنين عديدة، كان أوضحها في معركة العصف المأكول، حيث لم يفلح الاحتلال بأن يفصل بين الشعب ومقاومته الباسلة، التي يعرف صدقها وإخلاصها.

ختاماً.. إن هذه الخماسيات، تشكل جزءاً يسيراً مما كشف عنه هذا الانتصار، وهي تؤسس لفقه حركي معاصر رشيد، يستمد قوته ومصداقيته من سيرة قائد أمتنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما يحتاج إلى وقفات تنهض بالعمل الحركي والدعوي في الساحات المختلفة في جميع المناحي والأماكن.

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 170542