المعرفة ومعركة إعادة صناعة وعي الأمة

مقالات وآراء › تربوية 2014-09-20 عدد القراءات: 416

بقلم: آفاق تربوية

المعرفة ومعركة إعادة صناعة وعي الأمة

آفاق

من الأمور المهمة المعروضة على القيادات الحركية للدعوة، العمل على وضع إطار عام للحركة يشمل مختلف استحقاقات هذه المرحلة.

انشغلت الكثير من الدوائر السياسية والإعلامية، وحتى المجتمعية، المرتبطة بالحركة الإسلامية بالتحديات القريبة التي تواجهها الأمة شعوبًا ودولاً، في الوقت الراهن، مع اتساع نطاق الحرب بمعناها الحقيقي والكامل، والتي شملت حتى استخدام القوة المسلحة، التي تشنها قوى عدة على المشروع الإسلامي، والقوى التي تحمله.

لعل البعض مخطئ في هذا السياق، عندما يضع هذه الحرب في سياق تبعات ثورات الربيع العربي فحسب، فهذا الذي يجري، إنما هو محطة زمنية من ضمن محطات صراع حضاري مستمر بدأت منذ ظهور دولة الإسلام في شبه جزيرة العرب.

كانت أولى حلقات هذا الصدام في عهد الرسول الكريم “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ”، عندما اصطدمت جيوش الدولة الإسلامية الوليدة، مع قوات جيش الروم ومن والاهم من عرب الشام المسيحيين الغساسنة، في غزوتَيْ تبوك ومؤتة، عامَيْ الثامن والتاسع للهجرة.

وحتى هذا الصراع، الذي يُعتبر أحد أطول الصراعات الإنسانية، ذات الطابع الحضاري، واسعة النطاق، يُعتبر بدوره، حلقة زمنية ضمن سلسلة حلقات الحرب الأبدية الدائمة ما بين الحق والباطل، والتي بدأت مع خلق الإنسان ونزوله إلى الأرض، وتستمر حتى يوم يبعثون.

وإنما يأتي هذا الانشغال، بسبب أولوية الحدث، في ظل استعار حدة هذه الحرب، والتي طالت إلى الآن عشرات الآلاف من الأرواح، وبدأت منذ انطلاق الطلقة الأولى لثورة الياسمين في تونس، في ديسمبر من العام 2010م.

إلا أن الخطأ الكبير الذي قد يقع فيه أولو الأمر داخل الحركة الإسلامية، هو التوقف أمام تبعات هذه النقطة الزمنية، فما هي إلا مرحلة وتمر، وتظهر مرحلة أخرى، سوف تعمد فيها قوى الاستكبار العالمي ومن عاونها من الحُكَّام الفَسَدَة، إلى شغل الأمة بمحطة أخرى.

ومن ثَمَّ؛ فإنه من الأمور المهمة المعروضة على القيادات الحركية للدعوة، والتي تحمل تبعات إعادة إحياء المشروع الإسلامي، والنهوض بالأمة حضاريًّا، العمل على وضع إطار عام للحركة يشمل مختلف استحقاقات هذه المرحلة.

ولعل من أهم واجبات الوقت حاليًا هي قضية الانشغال بالمعرفة والاشتغال بها في آن، بما يشتمل عليه المعنى الواسع للمصطلح، وعلى رأس ذلك قضية الوعي، التي هي المعركة الكبرى المطروحة الآن أمام الحركة الإسلامية.

وليس من نافلة القول أبدًا، أو من ترفيات الحركة والنشاط في إطار المشروع الصحوي العمل في الاتجاه الذي يخدم قضية المعرفة على هذا النحو.

بدايةً، المعرفة تعني الإدراك، وهي من الوعي، وتعني أيضًا فهم الحقائق أو اكتساب المعلومة، والتعرف على الظواهر المحيطة بالإنسان، وبالجماعة البشرية، بمختلف الوسائل، سواء العلمية منها، من خلال التجربة، أو من خلال أساليب الفلسفة، مثل التأمل في طبيعة الأشياء، وتأمل النفس، أو من خلال الاطلاع على تجارب الآخرين.

وترتبط المعرفة بعدد من القضايا ذات الطابع الفلسفي والعملي في آن، مثل البحث في اكتشاف الآفاق، وتطوير الذات، وتطوير تقنيات وآليات التعامل مع مفردات العالم من حول الإنسان.

وتعتبر فلسفة المعرفة، إحدى فروع ومباحث الفلسفة الثلاثة، وهي بجانب المعرفة أو “الإبستمولوجي”، الأخلاق أو “الأنطولوجي”، والوجود “الإكسيولوجي”، وتبحث فلسفة المعرفة في ماهية المعرفة ووسائلها وتعريفها، وتسعى للإجابة عن ثلاثة أسئلة رئيسة في كل ظاهرة تسعى إلى معرفتها، وهي: كيف تحدث، ومتى تحدث، ولماذا تحدث، وكذلك ضوابط الحصول على المعرفة.

ومجتمع المعرفة، كأحد معايير التقدم الحضاري ومفردات التنمية، ظهر ضمن ثورة مفاهيمية شاملة اجتاحت العالم في الثمانينيات والتسعينيات، حددت معايير جديدة لتقييم مدى تقدم المجتمعات الإنسانية، مثل الحداثة وما بعدها، ومثل قواعد الحكم الرشيد والحَوْكَمة، ومجتمع المعرفة، وبات أخذ المجتمعات الإنسانية بما في هذه الأمور من محتوىً سياسي واقتصادي، ومجتمعي وثقافي، هو أحد محددات تقدمها الحضاري في عالم اليوم.

معركة الوعي:

لو أننا ربطنا هذا الذي سبق كله بالمعركة الحالية التي يخوضها الإسلام السياسي الحركي، بمختلف تياراته وألوان طيفه؛ لوجدنا أن قضية المعرفة، وخصوصًا بالمعنى المرتبط بسؤال الوعي والإدراك، هي إحدى أهم الواجبات المفروضة حاليًا على الحركة الإسلامية.

فقضية الوعي هي الأولوية الأولى لضمان حركة الشعوب في ركاب المشروع الإسلامي، وما ارتكاس شرائح من الشعوب العربية على المشروع الثوري، والمشروع الإسلامي، إلا نتيجة لغياب الوعي والمعرفة الأصيلة الحقيقية بما يجري.

ومن بين أهم المحتوى المطلوب الوصول إليه في هذا السياق، هو وعي الأمة الذاتي بهويتها، وبخصوصيتها، وكذلك برسالتها.

فثمَّة مشكلة عمرانية كبرى تعتبر مسار الأمة الحضاري في وقت الأزمة الحالي، وهي مشكلة استنساخ تجارب الأمم الأخرى في حياتنا السياسية والاقثصادية والاجتماعية، من دون مراعاة لطبيعة المجتمعات العربية والإسلامية.

فهذه التجارب إنما هي نابعة من سمات هذه الأمم الخاصة، ابتكروها وطوروها بناء على احتياجاتهم في مختلف المجالات، وتبعًا لطبيعة هذه المجتمعات وخصائص شخصيتها، فرادى وعلى المستوى الجمعي العام، ولا يمكن لا يمكن بحال من الأحوال، أن تتطابق بـ”المقاس” مع المجتمعات العربية والمسلمة.

بينما نحن لدينا تجارب سياسية ومؤسسية شديدة الخصوصية، في الحكم النبوي، وفي الخلافة الراشدة، وخصوصًا في عهد عمر بن الخطاب، وفي عهد عمر بن عبد العزيز، وفي وقت هارون الرشيد.

والأمم الكبرى الناهضة في الشرق وفي العالم الثالث، أدركت ذلك، لوعيها بذاتها، فالصين والهند، ودول أخرى، طورت نموذجها السياسي الخاص، واتجهت لنموذجها الخاص أيضًا في التنمية، وهو ما قادها إلى حجز مكانها في تراتبية الأمم المتقدمة، أو تلك التي لها وضعية بين حضارات العالم وأممه، اليوم.

وكحكم قاطع مُستنبط من قوانين العمران البشري، وما جاء به القرآن الكريم وصحيح السُّنَّة النبوية؛ فإن الأمة ما دامت قد تنازلت- طواعية أو مكرهةً- عن وعيها، وما دمنا تنازلنا عن الأصول والقواعد المؤسِّسة للدولة الإسلامية الأولى، النقية، والتي حملت مشعل الحضارة للعالم كله، لما يزيد على ألف عام.

وفي الأخير؛ فإننا من دون ذلك؛ فإننا سوف نُنسى وننتهي سياسيًّا وحضاريًّا، ما دمنا مصرين على تجاوز وعينا الذاتي، والأخذ من الآخرين مما لا يتناسب مع طبيعة مجتمعاتنا، ما دمنا تجاوزنا النموذج المثالي الذي صنعه محمد “صلى اللهُ عليه وسلم” والعُمَرَان، ابن الخطاب وابن عبد العزيز “رضي اللهُ تعالى عنهما”، وغيرهما من قيادات الأمة التاريخية؛ فإننا سوف نفشل.

وإنه في ظل حرب العقول والقلوب الدائرة حاليًا بمختلف وسائل القوة الناعمة، وعلى رأسها الإعلام الجماهيري وإعلام المعرفة الجديد، وعلى ساحات التواصل الاجتماعي؛ فإن قضية توعية الجمهور العام بحقيقة ما يجري من صراعات، وأسبابها وجذورها، والأهم، توضيح طرفَيْ الحق والباطل فيها، هو أول خطوات النجاح في مواجهة هذه الحرب الكونية.

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 170543