فَخُذْ نَاقَتِي

مقالات وآراء › تربوية 2014-09-21 عدد القراءات: 408

بقلم: آفاق تربوية

فَخُذْ نَاقَتِي

آفاق

التماسك جاء في قصة هجرة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه التي يرويها بنفسه حيث قال: اتعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل السهمي، التناضب، من أضاءة بني غفار، فوق سَرِف، وقلنا: أينا لم يصبح عندها فقد حُبس فليمض صاحباه. قال: فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التَّناضب، وحُبس عنا هشام، وفُتن فافتتن.

فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى عيّاش بن أبي ربيعة، وكان ابن عمهما وأخوهما لأمهما، حتى قدما علينا المدينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فكلّماه وقالا: إن أمك نذرت أن لا يمسّ رأسها مُشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك، فرقّ لها، فقلت له: عياش، إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك، فاحذرهم، فوالله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظللت.

قال: أبرُّ قسم أمي، ولي هناك مال فآخذه. قال: فقلت: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالاً، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما. قال: فأبى عليُّ إلا أن يخرج معهما، فلما أبى إلا ذلك، قال: قلت له: أما إذ قد فعلت ما فعلت، فخذ ناقتي هذه، فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: يا أخي، والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تُعقبني على ناقتك هذه؟ قال: بلى. قال: فأناخ، وأناخ، ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه، فأوثقاه، ثم دخلا به مكة، وفتناه فافتتن.

هو درس في النبل والوفاء والإخوة، هو مثال حي للتكافل والتناصر، وواقع يجسد تلك الرابطة الإيمانية القوية وتلك الدعامة الأساسية في دولة الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، إنه خلق الأحرار، وحرص المسلم على أخيه، وكم هي رائعة تلك المقولة لأمير المؤمنين عمر حين قال: هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخاكم زل زلة فسددوه ووفقوه، وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه.

إذاً هي روح إيمانية صافية تدفع بالمرء أن يكون لبنة المنتصف لإخوانه يشد هذا ويسند ذاك، روح فقدناها أو كدنا نفقدها في محاضننا التربوية ومجالسنا الإيمانية، حتى أصبح الواحد منا يرفع شعار (خفف توقعاتك.. تسلم)، ولا تسأل الناس شيئا، وفي لفتة تربوية جميلة لأحد المشايخ حفظه الله يقول: “لا تسألوا الناس حاجة، وعزك استغناؤك عن الناس، من وصايا خير البرية كنت أقول هي لتربية المؤمن على معالي الأمور ودقائق الترقي، واتضح لي أن لها هدفا مجتمعيا، وهو أن السؤال يفضح أخلاق الإخوة وقلة مروءتهم حين يستبين لك كيف تعاملون مع حوائج إخوانهم”.

نعم بالفعل قد غابت هذه المعاني واختفت في زمن غرق فيه الناس بالمادية وأصبح هم الواحد منا فقط مصلحته في أنانية مفرطة غابت عنها حساسية الإيمان وصفاؤه.

فكن صاحب الناقة ولا تترك أخاك وحيدا في معركته مع الشيطان، تفقده وكن به قوياً ليقوَ بك، كن نبيلا، سليم الصدر ولتحمل عبء أخيك فـ(ذلك صريح الإيمان ولب الأخوة، فليتعهد بعضكم بعضا، بالسؤال والبر وليبادر إلى مساعدته ما وجد إلى ذلك سبيلا)، {وكونوا عباد الله إخواناً}، واكتسب ما يؤهلك لذلك، عاملهم بالمودة والرفق والشفقة والتعاون على الخير، واترك وراء ظهرك وخارج قلبك الحسد والبغضاء والشحناء، يؤلف الله بين قلوبكم ويقوي صفكم ويحقق لكم ما تريدون.

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 151488