حكم الهجرة إلى بلاد الكفار

مقالات وآراء › تربوية 2014-10-08 عدد القراءات: 426

بقلم: أ.د صالح الرقب

حكم الهجرة إلى بلاد الكفار

آفاق - خاص

الحمد لله الذي جعل فلسطين أرضاً مباركة للعالمين، وقضــى أن تكون حاضنة للطائفة المنصورة التي لا يَضُرُّها مَنْ خالفها، ولا من خذلها إلى يوم الدين، وهناك أحاديث كثيرة صحيحة في فضائل الشام، وهي تبين أن هذه الأرض المباركة سيكون لها دور في تاريخ البشرية وقيادتها، وأنها ستكون الحصن الحصين الذي يأوي إليه المسلمون عند اشتداد المحنة ونزول الفتنة.

ومن ذلك:

- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حوله، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرهم من خذلهم، ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة".

- وعن جبير بن نفير أن سلمة بن نفيل أخبرهم أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ثم إني سئمت الخيل وألقيت السلاح، ووضعت الحرب أوزارها، قلت: لا قتال فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الآن جاء القتال، لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس، يرفع الله قلوب أقوام فيقاتلونهم، ويرزقهم الله منهم حتى يأتي أمر الله عز وجل وهم على ذلك، ألا إن عقر دار المؤمنين الشام، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة".

- عن عبد الله بن حوالة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنوداً مجندة: جند بالشام، وجند بالعراق، فقلت خِرْ لي يا رسول الله إن أدركت ذلك، فقال: عليك بالشام، فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده، فأما إن أبيتم فعليكم بيمنكم، واسقوا من غُدُركم، فإن الله توكل لي بالشام وأهله).

- ما رواه أبو الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(بينا أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصري، فعُمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام).

ثم إن الحرية الدينية التي يرفل فيها أهل قطاع غزة محرومٌ منها كثيرٌ من أبناء الدول العربية وبعض إخواننا في الشعوب الإسلامية؛ فإن المساجد لا تكاد تغلق أبوابها حتى بالليل، وإن النشاط الوعظي والخطابي، وكذا الجهد التعليمي والتربوي يُمارَس في معظم المساجد بحرية كبيرة؛ فضلاً عن تحفيظ القرآن الكريم، والنشاط الاجتماعي.

إن اليهود حريصون على استفزازنا من الأرض لإخراجنا منها، حتى تخلو لهم وحدهم، لذلك فقد اتبعوا سياسة التهجير والإبعاد، وتضييق الخناق على الناس؛ لعلهم يهربون بحثاً عن الأمن ولقمة العيش، ومن المعلوم أن اليهود حريصون على إلغاء حق العودة، وغاية المنى عندهم أن نترك هذه الأرض المباركة لهم وحدهم.

ومن فضل الله علينا تمكُّننا من إقامة فريضة الجهاد التي هي ذروة سنام الإسلام، والرباط في سبيل الله، ومقاومة العدو وابتغاء مرضاة الله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها) .

واعلم أنه من الغفلة عن حقائق الأمور بمكان - أن يظن أحد أنه سيعيش في هذه الحياة الدنيا بدون منغصات وشقاء ونصب. وأسعد الناس حالاً فيها من آمن بالله تعالى وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم واهتدى بشرعه وكان آمناً معافىً عنده قوت يومه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أصبح منكم آمناً في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا". ومن أراد أن يتهنأ بما آتاه الله من نعمة فليتمثل أمر النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول: "انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فذلك أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم".

وقد أخبر الله سبحانه عمن لم يهاجر من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام بأنه قد ظلم نفسه، وتوعده بعذاب جهنم في قوله سبحانه :(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا)، فكيف بمن يهاجر من أرض الإسلام إلى دار الكفر، وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من السكنى مع المشركين فقال: (من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله)، قال الإمام الشوكاني رحمه الله: "فيه دليل على تحريم مساكنة الكفار ووجوب مفارقتهم".

ثمّ إنَّ الإقامة بدار الكفر في الغالب لها مفاسد عظيمة، قد تخفى على من لا همَّ لهم إلاّ الدنيا، ورغد العيش، ولو كان على سبيل تضييع الدين ومسخ الهوية وطمس الفطرة، ومن هذه المفاسد:

1- منها أنه سيجعل على نفسه سبيلاً للكافرين، والله تعالى يقول: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً) النساء:141

2- حصول البراءة من رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين"، والقائل: "من أقام بين المشركين فقد برئت منه الذمة".

3- إلف المنكرات واعتيادها بحيث لا يتمعّر وجه المسلم إذا رأى من يضاجع فتاة، أو يتناول خمراً، أو يمارس شذوذاً، بل ربما بمرور الوقت يراها من قبيل الحريات الشخصية.

4- في تلك البلاد قد لا يسمع المسلم أذاناً، ولا يجد من يُذكّره بالله إلا قليلاً، ولربَّما عجز عن أداء الصلوات المفروضة في جماعة، ولا يسلم غالباً من أكل الربا، والتعامل به، وقد يضطر إلى مجاملة بعض القوم في بعض أعيادهم الدينية ونُظُمهم الكفرية لئلا يُرمى بالتشدُّد.

5- الأشنع من هذا كله أن تمتدّ الإقامة -هناك- فيُرزق بالذرية، وينشأ الأولاد على المفاتن والمفاسد الخلقية التي في مدارس الكفار، ويفتحون أعينهم على ما فيها من المنكرات، ولا يستطيع الأب حينها إلا أن يعض أصبع الندم حيث لا ينفع الندم.

وقد تباح الهجرة إلى بلاد الكفار للضرورة، ومن ذلك:

1- من ضاقت عليه الأرض في بلاد المسلمين ولم يستطع أن يمارس شعائر دينه، بل حُورب وحُوصر لأجل لحيته وصلاته وسمته والتزامه فلجأ إلى تلك البلاد طلباً للأمن في دينه.

2- من فرّ من سلطان ظلوم غشوم قَصَدَه بالسوء في نفسه، مثل الذي يحدث في بلاد تصدر فيها أحكام الإعدام على الملتزمين بالجملة، فلجأ إلى تلك البلاد استبقاءً لحياته.

3- الهجرة طلباً لعلم نافع لا يوجد في بلاد المسلمين، على أن يكون في نفسه ملتزماً بأحكام الدين، قادراً على دحض شبهات المبطلين.

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 174096