في موسم جني الزيتون.. سَمَر بقطرة زيت

فلسطينيات › عادات وتقاليد 2014-10-15 عدد القراءات: 423

في موسم جني الزيتون.. سَمَر وليل بارد ينتهي بقطرة زيت

آفاق

لحياة في المدينة تحرمنا الكثير من الصفاء والمتعة، والتطور التكنولوجي الملازم لحياة المدن يفقد أفرادها التواصل والترابط الاجتماعي الفطري، وصحيح أن الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي مدة 12 ساعة قلص هذه الفجوة، لكنها لا تزال موجودة.

أما في الريف فنمط الحياة مختلف تمامًا: المكان والاهتمامات والميول، وكذلك الحرفة أو المهنة، وهنا في المنطقة الشرقية من محافظة خان يونس أراضٍ وفيرة يشغلها معظم مالكيها _وهم من سكان المنطقة نفسها_ بالزراعة لغرضين: الأول كفاية المنزل من احتياجاته للطماطم والخيار والكوسا، والخس والملفوف والبامية والملوخية، وغيرها من أنواع الخضراوات التي تستخدم في الأطباق اليومية الرئيسة للأسرة، والآخر التجارة بالخضراوات السابقة الذكر، أو البلح والزيتون والجوافة والتفاح، وغيرها من أنواع الفاكهة التي تشتهر بها المنطقة.

نسلط بؤرة العدسة على موسم جني محصول الزيتون في جنوب قطاع غزة، من لحظة القطاف حتى ساعة العصر وخروج قطرات الزيت التي تعلن نهاية موسم هذه الشجرة المباركة.

بركة البكور

يسبقون الشمس إلى كرومهم ويشرعون بالقطاف، هذه حياة ألفها أصحاب كروم الزيتون، وحتى أكون أكثر دقة في الوصف: هم أصحاب ما بقي من كروم الزيتون التي قُدّر لها النجاة بعد حرب "العصف المأكول" التي استمرت 51 يومًا، قضى خلالها من البشر والحجر والشجر ما لا يمكن حصره خلال هذا المشهد.

الحاج أبو عودة (60 عامًا) اعتاد أن يصطحب زوجته (54 عامًا) لجني ما "تطرحه" أشجار الزيتون في كرومه المتفرقة، وما إنْ يصلا لجني محصول الزيتون خاصتهما حتى يتوافد إليها بعض الجارات من سكان المنازل المحيطة بالكرم، إذ اعتادت هؤلاء النسوة مساعدة أصحاب كروم الزيتون "دون دعوة"، في انتظار "إكرامية" المالك التي تكون عبارة عن رطل من الزيتون (أي ما يعادل 3 كيلو جرام)، أو لتر واحد من الزيت لقاء كل يوم عمل.

ومع تواتر السنوات أصبحت العلاقة بين أبو عودة والعاملات أكثر ودًّا وقربًا، وأحاديث القطاف أكثر حميمية، وأخبار الحارة تهبط من جعبة الجارة لتُصب من الدلو مع حبات الزيتون، وقد يكون الحديث سياسيًّا، وفي يوم واحد تُحل القضية وتفرض الجدليات وتقر الأخطاء، وتقترح الحلول، فهنا دولة مستقلة، أفرادها وحكامها مزارعون، يجمعهم مفرش القطاف الذي يلقف الزيتون المتساقط عن أمه، و"سفرة" غداء بسيط وكوب من الشاي يعدونه على الحطب، وتفرقهم شمس مؤذنة بالمغيب، وعندها يرجعون إلى واقع الحياة وإلى حبات الزيتون التي حان وقت تنظيفها من مخلفات القطاف.

امبراطورية مرح

في منزل المالك أو في فناء منزله يتحلّق أفراد أسرته التي قد تشمل الأبناء المتزوجين وزوجاتهم حول مفرش كبير نقل الزيتون المجني من الكرم خلال اليوم إليه، وهناك تبدأ رحلة تنظيف حبات الزيتون مما بقي فيها من عيدان رفيعة وصلتها بالشجرة الأم، أو من أوراق تسللت إلى الفرش في أثناء القطاف.

جلسة من المرح والسمر واللغو بالكلمات، تلك الطريقة التي يفر إليها العاملون الجدد في هذه المرحلة المهمة من موسم جني الزيتون، ويتخللها تناول الكعك أو (البسكويت) مع كوب من الشاي الساخن يزيد جلستهم دفئًا وحميمية، حيث يلقي كل فرد ما في جعبته من مواقفة طريفة حصلت معه أو مع أحد أصدقائه، لتتناثر ضحكات الجميع في المكان.

وهنا أيضًا قد تنقلب الجلسة إلى عصف فكري لحل مشكلة أحد أفراد الأسرة أو أقاربها، ولربما تُحال إلى جلسة تحليل سياسي، أو رصد ومتابعة لأخبار الحارة، وكلها على سبيل الاهتمام والمرح للحصول على مزيد من المتعة والإنجاز في العمل.

ينتهي يوم العمل الشاق مع نداء أذان صلاة العشاء، ولربما قبله بقليل، ويحكم "الجندر"، نعم، فالنسوة ينشغلن بتنظيف المكان وترتيبه، ورفع ما يحتجن إليه من حبات زيتون للتخزين، أما الشبان فيجمعون حبات الزيتون النظيفة في أكياس كبيرة لنقلها إلى معصرة الزيتون، وهي مرحلة ما قبل إسدال الستار على موسم العام.

صراع الأطنان

وفي معصرة الزيتون فصل جديد وفريد من نوعه، حيث يجتمع مالكو الزيتون، وتجاره من متضمني أراضي الزيتون الذين يستأجرون أراضي فيها أشجار زيتون مقابل مبلغ من المال، يعطيهم الحق في الاستفادة من الثمار ببيعها أو عصرها؛ فالأمران سيان.

وهنا تظهر الفروق بين الملاك المتواضعين والتجار وأصحاب الأملاك الواسعة، ولكل منهم ميزانه في الزيتون، وضيفنا "أبو عودة" بلغ ميزان حبات زيتونه 360 كيلو جرام، عندما بلغت المعصرة وجد أمامه _حسب تقديره_ نحو 200 طن تنتظر العصر، حتى بلغ الطابور ما بعد باب المعصرة بعشرات الأمتار.

الملاك والتجار اغتنموا فرصة إجازة عيد الأضحى، وجمعوا زيتونهم بوقت متزامن، ما أدى إلى زحام شديد في معاصر الزيتون المنشرة في قطاع غزة، التي تعمل بجهد طِنين في الساعة الواحدة، وكل ذلك متوقف على قوة المولد الكهربائي المعد خصيصى لهذا اليوم، أما أسعار العصر فتتراوح ما بين (3 أغورات) و(5 أغورات) لكل كيلو جرام من الزيتون، وذلك حسب حداثة المعصرة وإمكانات مالك الزيتون.

وبعد أن ينتهي كل صاحب حمولة من وزن حمولته وحجز دوره تبدأ محاولات التعجيل بالعصر، لاسيما من أصحاب الكميات القليلة مقارنة بالأطنان التي يأتي بها التجار، ثم يأخذهم هدوء الليل وبرده إلى حديث حول حلقة من نار خلال نوبة حراسة مشتركة أمام باب المعصرة، وينام المتعبون، وهنا تجدر الإشارة إلى اجتماع ما لا يقل عن فردين لعصر الزيتون، وقد يتجاوز عددهم خمسة أفراد، حسب حجم الحمولة؛ للتناوب على الحراسة في الطابور خارج المعصرة، وتبادل الأحاديث، واحتساء الشاي الساخن المعد منزليًّا والمعبأ في حافظ للسخونة (تيرموس) مخصص لمثل هذه الأوقات.

وبعدما يحين الدور على صاحبه ويحظى بفرصته لعصر زيتونه، وتولد أولى قطرات زيته مبشرة بإسدال الستار على هذا الموسم؛ يعود أصحاب الزيتون إلى منازلهم، ليترتب عليهم في اليوم التالي دفع أجرة العاملين من زيت الزيتون، وما يترتب على الموسم من فواتير مياه لري الأرض وغيرها، أو بيع ما تيسر منه؛ لتيسير معيشتهم اليومية، أو للربح، إن كانوا تجارًا.

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 170652