لا تثبت قدم الإسلام إلا على الاستسلام والتسليم

روضة الدعاة › دعوة ودعاة 2014-11-04 عدد القراءات: 405

لا تثبت قدم الإسلام إلا على الاستسلام والتسليم

آفاق – بقلم أ.د صالح الرقب

قال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) النساء: 65.

إنه لا تثبت قدم الإسلام للمرء إلا على الاستسلام والانقياد لله تعالى، والتسيلم بنصوص الوحيين الكتاب والسنة، وعدم توجيه النقد إليهما، أو الاعتراض عليهما برأيه أو معقوله وقياسه، قال الإمام محمد بن شهاب الزُهري: "من الله الرسالة، ومن الرسول البلاغ، وعلينا التسليم". فالمسلم الصادق في إيمانه ينقاد لأمر النبي عليه الصلاة والسلام، ويتلقى خبره بالقبول والتصديق دون معارضته بخياله الباطل الذي يسميه معقولًا، أو يقدّم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم، أو يتوقف على تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضِه على قول شيخ أو رجل يقلده أو يتبعه، فإن أذن نُفذ، وقُبل خبره.

فلا يكون المسلم المنقاد لله والمطيع له عز وجل ممن يقدم آراءه أو آراء غيره، وأقيسته الفاسدة على ما شرعه الله تعالى، قال ابن القيم رحمه الله: "وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي. فلا إله إلا الله، كم نُفي بهذه الآراء من حق، وأثبت بها من باطل، وأميت بها من هدى، وأحيي بها من باطل، وكم هدم من معقل الإيمان، وعمر بها من دين الشيطان، إن الله تعالى خلق عقل العباد محصوراً، لا يدرك أموراً كثيرة، وجعل له وظائف، فلا يجوز لنا مطلقاً أن نحكم عقولنا في النصوص فنرد هذا ونقبل هذا؛ لأن العقل وافق هذا وخالف هذا، ما دام ثبت عن الله ورسوله يجب الأخذ به ولا بد، ولذلك نعى العلماء من القديم على من قال بمسائل مخالفة للدليل، قال الله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِم) ْسورة الأحزاب:36".

إنَّه يجب على العبد أن يسلم لحكم الله تعالى، فهو سبحانه العليم الحكيم، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وهو الحاكم الذي لا معقب لحكمه، وذلك لكمال عظمته وجلاله وكبريائه، وحكمته وعدله ولطفه، ولا أحد أحسن حكما من الله تعالى، قال الله سبحانه :(وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة:50، وقال: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) التين:8، فالله سبحانه أعلم بما يصلح عباده، وهو أعلم بهم من أنفسهم، قال تعالى:(أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) الملك:14، وهو جل وعلا أرحم من الوالدة بولدها، وهو أرحم الراحمين.

ومع أنَّ نصوص السنة النبوية قد تكون في حكم ما قطعية الثبوت والدلالة إلا أنَّ البعض يرفضها، ويبحث في أقوال شاذة لبعض العلماء هنا وهناك، ليؤكد ما يوافق هواه ورأيه، ويتجاهل نصوص السنة النبوية، ويضرب بها عرض الحائط رغم ثبوتها، وبهذا يضل ويزيغ وقد يتزندق والعياذ بالله، يقول الإمام الشافعي رحمه الله: "كل شيء خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط، ولا يقوم معه رأي ولا قياس، فإن الله تعالى قطع العذر بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس لأحد معه أمر ولا نهي غير ما أمر هو به".

ومما يؤسف له أنَّه بعد انتشار فيديو قيام ما يسمى "داعش" برجم امرأة سورية قيل: إنها زانية، صدرت من بعض الشباب المسلم كلمات تدل على ضعف الإيمان، والجهل بأحكام الشريعة الإسلامية فأخذ هؤلاء الشباب ينالون من عقوبة الرجم الشرعية بآرائهم الشخصية، وأخذ بعضهم يتهكم على روايات صحيحي البخاري ومسلم لكونهما اشتملا روايات عقوبة الرجم، وتناسى هؤلاء الشباب أنَّ روايات الرجم وردت في معظم المصادر الحديثية، مع انعقاد الإجماع على إقرار عقوبة الرجم؛ لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بها ونفذَّها، وأجمع أصحابه رضي الله عنهم من بعده عليها، ومن غير حديث الرجم الحديث المشهور في هذا الباب: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاثة: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس", وقد أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أمر برجم ماعز والغامدية وصاحبة العسيف، فالرجم سنة فعلية وسنة قولية في وقت واحد. ولهذا قال الفقهاء بثبوت حد الرجم، حتى نقل أكثر من واحد الإجماع على ذلك، وإن كان هناك بعض أفراد شذوا عن هذا الإجماع، فلا يعني أن المسألة خلافية وينبغي الاختلاف فيها.

ولست هنا بصدد الرد على شبهاتهم، لكن لا بد من التأكيد على قاعدة مهمَّة أقرها فقهاؤنا رحمهم الله، وتتمثل بأنه: "لا اجتهاد في مورد النص"، فكيف إذا كانت هناك نصوص كثيرة ثابتة في البخاري ومسلم، وفي معظم كتب الحديث الشريف، اعتبرها بعض العلماء كالبهوتي من الحنابلة أنها تشبه التواتر.

وقد شرع الله تعالى هذا الحكم لحكمة بالغة لا تبلغها قلوب الذين يحبون أن تشيع الفاحشة، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "شرع في حق الزاني المحصن القتل بالحجارة ليصل الألم إلى جميع بدنه، حيث وصلت إليه اللذة بالحرام" .

ولأنَّ تلك القتلة أشنع القتلات والداعي إلى الزنى داع قوي في الطباع، فجعلت غلظة هذه العقوبة في مقابلة قوة الداعي، ولأنَّ في هذه العقوبة تذكيرا لعقوبة الله لقوم لوط بالرجم بالحجارة على ارتكاب الفاحشة"، وأيضا: فلمَّا كانت هذه الجريمة مخربة للبيوت، ومدنسة للفراش، ومفسدة للأنساب ناسب ذلك وقوع أشدّ العقاب بأصحابها ردعاً لأصحاب الشهوات ونكالا لأصحاب الفجور، المفسدين في الأرض بالخطيئة والفساد.

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 155523