صناعة القادة بتكليف الشباب بالقِيادة

مقالات وآراء › تربوية 2014-11-09 عدد القراءات: 641

بقلم: د. خالد الخالدي

صناعة القادة بتكليف الشباب بالقِيادة

يلاحظ المتأمل في وجوه كبار المسئولين في الدول والحكومات والأحزاب والمؤسسات العربية أن معظمهم من كبار السن، وأن من يُعدُّون منهم في مرحلة الشباب قد دخلوا في عقدهم السادس أو السابع، كما يُلاحِظُ أن هؤلاء المسئولين يبقون في مناصبهم مدداً طويلة، وإذا ما انتهت مدة أحدهم القانونية خولفت القوانين من أجل إبقائه في منصبه، أو صُنعت لتحقيق ذلك قوانين جديدة، ولا يُبعدُ عن منصبه إلا لينُقل إلى منصب أرفع، وكأنه منقطع النظير، أو أن نساء بلده قد عقمن أن يلدن مثله، وهكذا يبقي المسئول مسئولاً إلى أن يمرض ويخرف ويموت، وقد أدى ذلك إلى كثرة أعداد المسئولين المسنين في بلاد العرب والمسلمين، وإلى ضعف أدائهم، وقلة إنتاجهم، وكثرة فسادهم، وشدة تسلطهم، ونشوء الديكتاتوريات في الدول والأحزاب والمؤسسات، كما أدى إلى إبعاد الشباب عن مواقع المسئولية، وخسارة الأمة لطاقاتهم وإبداعاتهم، إضافة إلى أمر خطير وهو غياب القادة الشباب.

لقد خالف الأنانيون وعشاق المناصب الذين أبعدوا الشباب عن مواقع المسئولية المنهج النبوي العظيم الذي قام على أساس أن أفضل طريق لصناعة القادة هو تكليف الشباب بالقيادة، حيث يُلاحَظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى الشباب منذ بداية الدعوة بمعظم المهمات القيادية العسكرية والسياسية والدعوية، فًمثلاً عندما قرر قبيل وفاته أن يرسل جيشاً لقتال الروم اختار لقيادته أسامة بن زيد الذي لم يكن قد تجاوز السابعة عشرة من عمره، لقد فعل ذلك بالرغم من علمه أن في المسلمين من هم أكفأ منه وأصلح كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، لكنه أراد أن يصنع قائداً من جيل الشباب الذي سيخلف جيل صحابته الكبار، وأن يرسِّخ منهج صناعة القادة بتكليف الشباب بالقيادة، وقد فهم الصحابة الكرام قصد النبي صلى الله عليه وسلم، فرضوا وهم أصحاب السبق والفضل والسن أن يكونوا جنوداً تحت إمرة شاب صغير السن، وأصر أبو بكر الصديق بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على أن ينفذ جيش أسامة، وأن يبقي أسامة قائداً عليه.

وعلى الدرب نفسه سار الخلفاء الراشدون ومَن بعدهم، فولوا معظم المهمات القيادية إلى الشباب، حيث كان قادة الجيوش الذين هزموا امبراطوريتي الفرس والروم من الشباب، ونجد أبا بكر الصديق- رضي الله عنه- يكلف يزيد بن أبي سفيان بقيادة أحد الجيوش المتوجهة لفتح الشام ويترك أباه جندياً في الجيش بالرغم من سنه وخبرته الإدارية، حيث كان سيد مكة في الجاهلية، وبعد وفاة يزيد في طاعون عمواس نجد عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يعين مكانه أخاه معاوية، ثم يجعله والياً على الشام كلها بالرغم من وجود الكثير من الصحابة الأكبر سناً والأكثر فضلاً والأسبق إسلاماً.

واستمر منهج صناعة القادة بتكليف الشباب بالقيادة في العهود اللاحقة، فهذا معاوية بن أبي سفيان يكلف ولده يزيد وهو ابن ثلاثة وعشرين عاماً بقيادة الجيش الذي توجه لفتح القسطنطينية سنة 49هـ، بالرغم من وجود عدد من كبار الصحابة في الجيش أمثال أبي أيوب الأنصاري وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير، ولم يعترض هؤلاء الكرام على أن يكونوا تحت قيادة شاب صغير هم أكبر منه وأفضل وأكفأ لعلمهم أن هذا التكليف يأتي ضمن منهج صناعة القادة الذي تعلموه في مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا والي العراق الحجاج بن يوسف يقرر أن يرسل جيشاً كبيراً لفتح السند بعد أن فشلت جيوش عدة أرسلها لهذه المهمة في فتحها، فيكلف بقيادة هذا الجيش شاباً لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره هو محمد بن القاسم الثقفي، فينجح في فتحها، وينشر الإسلام في ربوعها. وبالرغم من المحاولات الكثيرة والجهود الضخمة التي بذلها المسلمون عبر القرون لفتح القسطنطينية والفوز بثناء النبي صلى الله عليه وسلم القائل:" لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش"، إلا أن الذي نجح في فتحها سنة 857هـ وفاز بثناء النبي صلى الله عليه وسلم بأنه نعم الأمير هو شاب قد بلغ من العمر ثلاثة وعشرين عاماً اسمه محمد الفاتح سلطان الدولة العثمانية، وقد استوعبت هذا الدرس حكومة أردوغان التي تستمد فلسفتها وكثيراً من سياساتها من الإسلام العظيم وتاريخه المجيد، فقررت أن تخص الشباب بأهم المناصب في وزاراتها ودوائرها، ولعل هذا من أهم أسباب نموها وتقدمها السريع... فهل من معتبر؟!

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 151487