حد الرجم بين الإثبات والإنكار.. دراسة فقهية

ركن الشباب 2014-11-09 عدد القراءات: 705

حد الرجم بين الإثبات والإنكار.. دراسة فقهية

آفاق – بقلم د. أنس عزالدين

هذه المسألة وغيرها من مسائل الحدود والعقوبات، ستطرح على النقاش بين “أهل العلم والاختصاص” حينما يؤسس لنظام العقوبات في الدولة الإسلامية بعد قيامها، وحينها سيكون النقاش مبنياً على أسس علمية واضحة.

مما لا شك فيه، أن مسألة ثبوت حد الرجم طالها الكثير من الجدل والنقاش في الفترة الماضية، وتنوعت حولها الآراء تنوعاً واضحاً، بين منكر ورافض لها، وبين مثبت بناءً على النصوص الواردة، وبين من يدعي إثباتها إلا أنه تم إلغاء العمل بها في مرحلة متأخرة من الفترة النبوية.

كثيرة هي الآراء التي ظهرت فيما يتعلق بهذه المسألة، وهذا يقودنا إلى مجموعة من التساؤلات المهمة:

1- هل هذه الآراء جميعها هي آراء معتبرة تندرج تحت باب الخلاف الفقهي، بحيث يجوز استبدال حد الرجم حال ثبوته بعقوبة أخرى؟

2- ما مدى قوة هذه الآراء، وما حجية مستندها واستدلالاتها؟

3- ما أثر هذا “الخلاف” على واقعنا المعاصر، وهل هناك آثار مترتبة عليه؟

كنت قد كتبت في مقالي السابق، موضوعاً أركز فيه على فلسفة العقوبة في الإسلام، بعيداً عن الإسهاب الفقهي للمسألة، كون العديد ممن يقرؤون هذه المواضيع ليسوا من أهل الاختصاص، وفي الوقت نفسه، سعيت لتوضيح أمر مهم، وهو أن الإسلام لا يهدف لإيقاع العقوبة ابتداء، وإنما يضع الحواجز الكثيرة التي تمنع من الوقوع في الجريمة، حتى إذا ما تجاوزها الفرد، كان العقاب عليه مستحقاً ومقبولاً.

وفي ثنايا هذا الموضوع، أشرت إلى موضوع حد الرجم إشارة سريعة؛ كون هذه المسألة من المسائل التي ورد فيها الكثير من النصوص في كتب الحديث المختلفة، وذهب إليها أهل العلم باستثناء البعض القليل. ولكن ونظراً لكثرة الجدل حولها، فلا بأس أن أقدم تفصيلاً فقهياً لما تحويه من أمور وأدلة وردود.

تمهيد

لابد قبل الخوض في تفصيل الموضوع، أن أشير إلى أن الخوض في هذه المسألة سابق لأوانها، فنحن ننكر ما جاء في الفيديو المنشور والمنسوب لـ”داعش” لأنه لا يجوز لأي جماعة تستولي على منطقة ما أن تعاقب الناس بهذا الشكل، لأنه ينتج عنه آثار سلبية سبق وأن أشرت إليها في المقال السابق. ولهذا فهذه المسألة وغيرها من مسائل الحدود والعقوبات، ستطرح على النقاش بين “أهل العلم والاختصاص” حينما يؤسس لنظام العقوبات في الدولة الإسلامية بعد قيامها، وحينها سيكون النقاش مبنياً على أسس علمية واضحة.

ولكن حتى نضع النقاط على الحروف، فلا مانع من الخوض في هذه المسألة، بالمنظور العلمي الشرعي، لأنه المعتمد في الترجيح لهذه المسائل، وليس العواطف والعقول المجردة عن النصوص.

المثبتون..

ذهب أهل العلم من الفقهاء والمحدثين من جميع المذاهب إلى ثبوت حد الرجم، مستدلين بأحاديث كثيرة في هذا الباب، منها:

1- عن أبي هريرة – رضي الله عنه – وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما – أن رجلا من الأعراب أتى رسول الله – صلى الله عليه وسلم. فقال: يا رسول الله! أنشدك بالله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الآخر – وهو أفقه منه – نعم. فاقض بيننا بكتاب الله، وأذن لي. فقال: «قل». قال: إن ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني: أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها». [متفق عليه].

2- عن عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني، خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلاً. البكر بالبكر جلد مائة، ونفي سنة. والثيب بالثيب جلد مائة، والرجم». [رواه مسلم].

3- عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: أتى رجل من المسلمين رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو في المسجد – فناداه فقال: يا رسول الله! إني زنيت،فأعرض عنه. فتنحى تلقاء وجهه، فقال: يا رسول الله! إني زنيت، فأعرض عنه. حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات. فلما شهد على نفسه أربع شهادات. دعاه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال «أبك جنون؟» قال: لا. قال: «فهل أحصنت؟». قال: نعم. فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – «اذهبوا به فارجموه». [متفق عليه].

4- عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أنه خطب فقال: «إن الله بعث محمدا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل الله عليه آية الرجم. قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ورجمنا بعده. فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم حق في كتاب الله على من زنى، إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف» [متفق عليه].

5- فعل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، حيث رجم النبي ماعزاً والغامدية، ورجم اثنين من اليهود، وكذلك الحال فقد ثبت عن بعض الخلفاء الراشدين (عمر وعثمان وعلي) أنهم أقاموا حد الرجم على بعض الزناة.

من خلال قراءتنا لما سبق نستنتج الأمور التالية:

1- أن القائلين بهذا الرأي هم أصحاب المذاهب الفقهية من العلماء والفقهاء، بل وصل الأمر ببعض العلماء إلى اعتبار المسألة من المسائل المجمع عليها. قال ابن قدامة في المغني: “وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار، ولا نعلم فيه مخالفاً إلا الخوارج فإنهم قالوا: الجلد للبكر والثيب”.

2- أن الأحاديث التي يستدلون بها هي أحاديث صحيحة، أغلبها متفق عليها، أي أنها واردة في البخاري ومسلم.

3- أن الأحاديث تتطابق مع بعضها من حيث إقرار حكم الرجم على الزاني المحصن.

المنكرون..

وهو رأي الخوارج، ونسبه الشيخ القرضاوي للشيخ أبي زهرة –رحمه الله-، ورأي بعض المفكرين والدعاة المعاصرين. حيث قالوا أن لا رجم في الإسلام، وأن الأحاديث الواردة فيه تعارض الآيات القرآنية الواردة في حد الزنا، كما أنها متضاربة في الألفاظ.

كما استدلوا ببعض الأدلة العقلية التي تشكك في ثبوت حد الرجم ومنها:

1- جل أحاديث الرجم يتضمن طعناً في حفظ القرآن الكريم. فمن قال بالرجم فهو قائل ضمناً بتحريف القرآن -والعياذ بالله- لأن أغلب أحاديث الرجم تفيد ذلك! مثال: حديث الداجن: “لقد نزلت آية الرجم والرضاعة فكانتا في صحيفة تحت سرير فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم تشاغلنا بموته فدخل داجن فأكلها”.

2- كل من له ذوق في العربية وقرأ قول تعالى بعد فرض الجلد: (ولا تأخذكم بهما رأفة) عرف أن الجلد قاس بما يكفي ولا عقوبة للزنا أقسى منه.

3- أن الله تعالى قال: فإذا أُحصِنَّ فإن أتين بفاحشةٍ فعليهنَّ نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خيرٌ لكم والله غفورٌ رحيم. فالعذاب هنا هو الجلد لأن الرجم لا ينتصف.

4- أن عبد الله بن أبي أوفى لا ندري أرجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا والغامدية قبل آية الجلد أم بعدها.

5- قوله تعالى في حق نساء النبي: ((يا نساء النبي من يأتِ منكن بفاحشةٍ مبينة يُضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيراً)). عقوبة نساء النبي مضاعفة أي مائتي جلدة، فالرجم الذي هو الموت لا يُضاعف. والعذاب في الآية يكون في الدنيا والدليل الألف واللام وتعني أنه شيء معروف ومعلوم.

6- ((الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة)) الألف واللام في ((الزانية والزاني)) نص على عدم التمييز بين الزناة سواءً محصنين أو غير محصنين.

7- الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين. حرم الله الزانية على المؤمن وهذا يدل على بقائها حية من بعد إقامة الحد عليها وهو مائة جلدة.

من خلال قراءتنا لما استدل به المنكرون نستنتج الأمور التالية:

1- لم يذكر المنكرون رأياً واحداً يعود لأحد من السلف، أو من الأئمة والعلماء المشهورين إلا الشيخ أبو زهرة –رحمه الله-.

2- لا يوجد نص نبوي أو أثر أو قول لأحد السلف يدل على خلاف هذا، فلم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد امرأة محصنة، أو أن أحداً من أصحابه لم يوقع الجلد على أحد ثبت عليه الحد.

3- كل الاعتراضات الواردة هي اعتراضات لغوية، أو عقلية، وهذا يثير تساؤلاً مهماً بالنسبة لأصحاب هذا الرأي، وهو أيهما نقدم: العقل أم النص؟؟ كما أن النصوص التي أشكلت عليهم أجاب عنها علماؤنا، أو أنها داخلة في موضوع تخصيص القرآن بالسنة.

تحرير محل النزاع

يكمن اعتراض المنكرين على الأدلة التي أوردها أهل العلم، بأنها تعارض حكماً موجوداً في القرآن، حيث لم يذكر القرآن حد الرجم وإنما ذكرته السنة فقط، والأحاديث التي وردت ضعيفة ومضطربة، فلا يصح العمل بها.

ولم يذكر أصحاب هذا الرأي سبب ضعف تلك الأحاديث علماً أنها واردة في البخاري ومسلم، بل ولها أسانيد كثيرة تصل إلى حد التواتر والذي يفيد العلم القطعي.

هل السنة تعارض القرآن؟؟

لا أشكك بصدق نوايا بعض أصحاب الفريق الثاني، ممن غابت عنهم معنى وحقيقة اتفاق البخاري ومسلم على حديث ما، أو على معنى التواتر وحجية العمل به.

لكن في الوقت نفسه، هناك نوايا خبيثة لدى البعض بحيث يسعون لنزع القدسية والمهابة عن السنة النبوية، والاكتفاء بالقرآن الكريم، وهو ما وقع به بعض الداعين إلى هذا الرأي، حيث أنكروا العديد من الأمور بحجة مخالفة السنة للعقل ومفهومهم للقرآن!!

وطالما ثبت بالسند المتصل الصحيح في أحاديث كثيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بالرجم، فإن إنكاره لا يعدوا واحداً من أمور ثلاثة:

أولاً: أن السند ملفق وغير صحيح، وهذا سيفتح الباب على الطعن بالقرآن كله، كونه ثبت أيضا بنفس الطريقة التي ثبتت بها السنة، فيحق عندها لأي أحد الطعن بأي آية بالقرآن بنفس الحجة، أنها تخالف الإنسانية والعقل.

ثانياً: الطعن في فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه فعل فعلاً مخالفاً للقرآن، وهذا لا يقوله مسلم.

ثالثاً: التأويل لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم، بمعنى أنه قام به، ثم تركه، وهذا يحتاج لدليل على ذلك.

كما أن العلاقة بين السنة النبوية والقرآن الكريم، تتمثل بأمور ثلاثة هي:

1- التأكيد والموافقة لما جاء في القرآن الكريم، بحيث تورد السنة دليلاً يدل على نفس معنى الحكم بالقرآن.

2- البيان والتفصيل مثل شرح كيفية أداء الصلاة، أو الزكاة والحج وغيرها، أو تخصيص العام، مثل إباحة ميتة السمك والجراد بعد أن حرم الله الميتة.

3- إضافة أحكام مستقلة لم ترد في القرآن، مثل حرمة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وأحكام الشفعة، وميراث الجدة، والتحريم بالرضاع ما يحرم من النسب.

إذن نخلص إلى نتيجة واضحة، بأنه لا يعني عدم ذكر الحكم في القرآن الكريم أنه غير موجود، وفي الوقت نفسه، فإن كل الأدلة التي استدل بها المنكرون لم تسلم من رد أو جواب عليها، وهي موجودة في كتب علمائنا، أو في الفيديو المرفق.

خلاصة الرأي، أن الرأي الثاني لم يقدم إلا أدلة عقلية أجيب عنها بكثرة، وفي الترجيح الفقهي لابد من تقديم الحديث الصحيح على العقل خصوصاً إذا كان وارداً في كتب الصحيح، أو متفقاً عليه بين البخاري ومسلم.

ولو كان ترك الحديث بناء على العقل، وعدم التسليم ببعض الأمور، فإن هذا يعني ضياع أحكام الدين، وما ورثناه عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحكام وتعاليم.

يقول العلامة القرضاوي: “والحق الذي لا مراء فيه، أن جل الأحكام التي يدور عليها الفقه في شتى المذاهب المعتبرة قد ثبت بالسنة، ومن طالع كتب الفقه تبين له ذلك بكل جلاء، ولو حذفنا السنن وما تفرع عليها، واستنبط منها من تراثنا الفقهي ما بقي عندنا فقه يذكر”.

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 170514