الثقة في القيادة .. أزمة قاتلة!

روضة الدعاة › دعوة ودعاة 2015-02-18 عدد القراءات: 220

ظهرت في أيامنا هذه “موضة” قد تكون خطيرة وفتاكة إذا استخدمت في غير موضعها وفي غير حقها،وهي بلا شك سيف يؤذي صاحبه قبل أن يؤذي غيره، ألا وهي “عدم الثقة” في القيادة.

والثقة كما قال الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله: “وأريد بالثقة: اطمئنان الجندي إلى القائد في كفاءته وإخلاصه اطمئنانًا عميقًا ينتج الحب والتقدير والاحترام والطاعة”.

فلماذا الثقة؟ وما هي مخاطر ترك الثقة؟

القيادة كما نعلم في تشريعنا وفي العمل الحركي الدعوي لا تأتي إلا عبر نظام شوري وبانتخاب، فهي قيادة ممثلة لأغلبية الصف الدعوي، ولا تأتي اعتباطاً أو وراثة، وإنما هو النظام الذي يرتب للأفراد شؤون تنظيمهم قيادة وأفراداً، والإنسان مدني ولا يعيش حياة همجية تقوم على حق القوي وظلم الضعيف، ولذلك فإن انتخاب القيادة هو بشكل من الأشكال رأي الأكثرية، وفي المجتمع البشري رأي الأكثرية ملزم وليس فقط مجرد رأي؛ كي تنتظم حياتهم وتسير قافلة الدعوة حتى لو كان باجتهاد أقل صواباً، فاجتماع المجموع على المرجوح خير من تفرقهم على الأرجح، وإنما القوة بالاتباع والوحدة، والضعف في الاختلاف والتشتت والتشرذم، وأول خطوة للمنافقين كانت هي التشكيك بقرارات القيادة يوم أحد حيث انسحب ثلث الجيش مع زعيم المنافقين ابن سلول حيث استطاع أن يزحزح مقدار الثقة في قرار النبي صلى الله عليه وسلم بقتال المشركين خارج المدينة المنورة علماً بأن القرار قد بني بعد قرار شوري.

وأمر آخر ومهم جداً هنا ألا وهو قنوات الاتصال التنظيمي والتسلسل الإداري في إيصال المعلومة والنصيحة، فلو أنت اعترضت في يوم من الأيام على اجتهاد معين أو على قرار معين، فالأصل أن تتوجه إلى القيادة بشكل مباشر لسببين مهمين الأول هو أن توضح وجهة نظرك ومكان اعتراضك، والأمر الثاني وهو الأهم هو أن تسمع وجهة نظرهم ولماذا قرروا ذلك.

ونرى ذلك جليّاً في موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم الحديبية حين اعترض على الشروط والتنازلات التي قدمتها القيادة الإسلامية آنذاك ممثلة بالنبيّ محمَّد صلى الله عليه وسلّم، فلم يشِع بين المؤمنين اعتراضه ولم يحرض أحداً على العصيان ولم يشكك في القيادة؛ وهذا ما نقلته كتب السيرة يوم الحديبية: “فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب، فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى؛ قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى؛ قال: فعلام نعطى الدنية في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر، الزم غرزه، فأني أشهد أنه رسول الله؛ قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ألست برسول الله؟ قال: بلى؛ قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى؛ قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى؛ قال: فعلام نعطى الدنية في ديننا؟ قال: أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيعني قال: فكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق، من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيراً”.

ولقد رأينا من شبابنا اليوم من لديه ثقافة الاستعراض وبيان الحيادية في غير موضعها وكذلك بيان الموضوعية وأنه يستطيع أن ينتقد أيّ قرار فقط لأنه غير مقتنع فيه من باب بيان وجهة النظر وحرية التعبير وأنه لا يصح منع أي شخص من اعتراضه على أي قرار من هذا الباب، بل وبدؤوا ينشرون ذك عبر مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها، وكنا نرى الكثيرين منهم بعد برهة من الزمن يعتذر عن رأيه السابق ويرى أنه كان خاطئاً حينها مبرّراً لنفسه سوء فعلته.

في الحقيقة لا يكون هكذا العمل الجماعي ولا التنظيمي ولا الإداري، وليس هكذا تورد الإبل، كلامك الذي تنشره من خلال مواقع التواصل قد لا يصل إلى القيادة وهو الطرف الذي من المفروض أنك تريد إيصال المعلومة إليه، وبالتالي فلن ترد القيادة عليك ولن توضح ما استشكل عليك، وإنما ستبث بين من يقرؤون لك التشكيك وقلة الاحترام للقيادة والأدهى من ذلك ستعلمهم كيف يتجرؤون على القيادة، وبعد حين سنجد أنفسنا صفوفاً مشتتة، وسنجد بيننا من يسيء الأدب في نقده ويتجاوز ربما لقيادة حملة كاملة في التمرد وعدم الانصياع والطاعة.

طالما أنَّ القيادة أتت بانتخاب فهي شرعية وطاعتها ملزمة طالما أنها في غير معصية.

والجماعات هكذا تدار، تدار برأي الأكثرية ولا تدار بآراء مشتتة هنا وهنا.

ولو كل من أراد أن يبيّن وجهة نظره طرحها للمجموع فأنت ستعترض على القيادة وغيرك سيعترض عليك وغيركما ستعترض على من اعترض عليك وهلم جرا.

وكثير ممَّن ينشرون آراءهم بهذا الاتجاه قد انصاعوا لحظ نفس وهواها.

لو كنت حريصاً حقّ الحرص على دعوتك وعلى مصلحتها، فأتِ البيوت من أبوابها وتوجه إلى قيادتك، أو مسؤولك المباشر؛ طالباً منه إيصال وجهة نظرك.

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 151467