الكيد التنظيمي .. ظاهرة دخيلة على العمل الإسلامي

ركن الشباب 2015-03-14 عدد القراءات: 336

الكيد التنظيمي .. ظاهرة دخيلة على العمل الإسلامي

آفاق

 نحزن على شريحة من الشباب الملتزم، انتسب لصفوف العمل الإسلامي، وارتضى أن يقدّم من وقته وجهده وماله، أملاً بنيل رضى الله جلّ وعلا، فإذا به ينجرّ إلى ممارسات سلبية مع إخوانه تتنافى مع أخلاقيات العاملين للإسلام فضلاً عن المنضوين في المشروع الإسلامي، فترى هؤلاء الشباب ينساقون إلى المناكفات الداخليّة ضمن المؤسسة الدعوية الواحدة، وبدل أن يكون انتساب الفرد للعمل الإسلامي باباً لتحصيل الأجر والثواب، يتحول عنده سبباً في كسب الإثم، لممارساته بحق من لا يوافقه طروحاته من إخوانه في الدعوة.

لا يخفى على العاملين في الحقل الإسلامي، لا سيما التنظيمي في الحركات الإسلامية، تسرّب أمراض بدأت تخلق مناخاً سلبياً، ويساعد في بروز مفاعيلها توفر أدوات مثل وسائل التواصل الاجتماعي التي تسهّل عملية النشر والتعميم. وأتحدث هنا تحديداً عن مرض “الكيد التنظيمي” داخل الصف. وهو –بلا شك- يشكل ظاهرة دخيلة على ثقافة العاملين في المؤسسات الدعوية، ويمكن إضافتها إلى أمراض العمل الإسلامي التي تحدث عنها الداعية الراحل فتحي يكن رحمه الله في كتابه “الإيدز الحركي”.

والمشكلة حين لا يتوقف الكيد التنظيمي عند ممارسات “طامح” أو “مشاكس”، بل تعظم عند قيامه بالتأثير على مجموعة من الشباب حوله، فيشحن نفوسهم عبر تلبيس “مصالحه التنظيمية” شعارات دعوية وإسلامية عامة تدغدغ مشاعر بعضهم (الإصلاح –دور الشباب– تطوير الخطاب…)، فيتحمسون حاملين لواءه “الإصلاحي”، ليتحولوا لا شعورياً إلى مصدر إزعاج لـ “خصومه” في التنظيم، لاسيما عند الاستحقاقات الانتخابية..

فكيف إذا كان هذا الطامح على رأس مؤسسة تابعة للتنظيم، أو زعيم منطقة ما.. فإنه يستثمر هذا الموقع لتعميم الخصومة في نفوس من وليَ أمرهم، و”بدل أن تسخّر الجهود في العمل والإنتاج، تصفّى الحسابات بين أبناء الصف الواحد، ويصبح همّ كل فريق التخلص من الفريق الآخر” والكلام للداعية يكن. ويتحول الصفّ حينها إلى أجنحة متنازعة. والنتيجة أنبأنا بها الله تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}..

إن هذا الواقع الطارئ –غير الصحّي- يفقد العمل الإسلامي بركته، ويشغل أبناءه بأبنائه. فأيّ دعوة ستكون؟ وأيّ رضا من الله سنفوز؟ ويا فرحة الشامتين!

من النخبوية إلى الجماهيرية

ولعل حالة الانفتاح التي عاشتها الحركة الإسلامية، وخوضها غمار العمل العام، واختلاطها بالأحزاب اليسارية والعلمانية في الميدان النقابي أو الطلابي أو السياسي.. قد فتحت كوّة لتتسلل هذه الظاهرة إلى صفنا الإسلامي.

كما لا يغيب عنا أن انتقال العمل الإسلامي من حالة النخبوية، في مرحلة التأسيس أو مرحلة التضييق، حيث يجتهد مربّو الحركة الإسلامية في تربية أبناء الصف وتزكية نفوسهم.. هذا الانتقال من العمل النخبوي إلى مرحلة العمل الجماهيري المنفتح.. له ضريبة، حيث تنخفض معايير قبول المنتسبين إلى الصف، ويتوزع اهتمام المؤسسة الدعوية على جوانب متعددة، إحداها التربية، ما ينعكس ضعفاً في التركيز على الشأن التربوي للصف الداخلي.

وهذه الضريبة بلا شك تقابلها حسنات أخرى مهمة في مسار المشروع الإسلامي، لكن المفاعيل السلبية في الشأن التربوي يمكن أن تسري على المنتسبين الجدد، وعلى البيئة الحاضنة للحركة الإسلامية، وليس مقبولاً أن تنال من صفوة أبنائها وكبارها.

بشرية الدعاة .. ولكن

ولعله من المفيد أن نذكّر أنفسنا دائماً بأن العاملين في الحقل الدعوي – حتى لو كانوا أقطاباً – هم بالنهاية بشر، يصيبهم ما يصيب غيرهم من أمراض النفوس، فالانتساب للدعوة لا يضفي عصمة من العيوب.. لكن الأصل بمن ينتسب إلى العمل الإسلامي أنه جاء ليعطي لا ليأخذ، ليضحّي بما يملك من مال ووقت لا ليكسب، وهو يعلم أن مواقع المسؤولية هي تكليف لا تشريف. هذه المفاهيم يتربى عليها العاملون في أولى مراحل الدراسة الحركية، وانضمامهم للصف يعني قبولهم بهذه المفاهيم والتزامهم بها.

وإذا كان التاريخ الإسلامي قد شهد نماذج من شخصيات تنازعت على السلطة وسعت إليها بوسائل غير شريفة، فإن هذه النماذج كانت جزءاً من الحياة العامة ولم تكن منتسبة إلى مؤسسات تقوم أساس فكرتها على البذل والتضحية.

أخيراً .. إلى الشباب

وأهمس أخيراً إلى بعض الشباب المنخرطين حماسة في صراعات الكبار من حيث لا يدرون.

لقد منّ الله علينا بنعمة الالتزام الديني في هذا العصر الذي يتيه فيه شبابه في ضياع وفساد مهلكَين.. وكانت النعمة الأكبر أن كنا ممن اصطفاهم الله وسخّرهم لخدمة دينه والقيام بأمر دعوته، قال تعالى: {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً}، {ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}… وقد أنعم الله علينا بأن فهّمنا أمر ديننا، فلم ننزلق إلى تطرف هنا أو تهوّر هناك، بل أكرمنا بانتسابنا لفكر إسلامي سويّ.. إذا كان الله قد يسّر لنا هذا الخير كله، ونفاخر بتمايزنا عن الآخرين من أصحاب الدعوات المفسدة بأخلاقنا وسموّ أهدافنا.. فكيف ينزلق بعضنا إلى مثل تلك المنحدرات؟

أليس رضا الله هو غايتنا؟ والدعوة إلى الله طريقنا؟ فكيف نرضى أن نكون سبباً في إضعاف العمل الإسلامي من خلال التناحر الداخلي؟

ولنتذكر دائماً -كما يقول الأستاذ محمد أحمد الراشد- أن “الجماعة أقوى من الفرد مهما تفاصح والتاف وتمسْكن، تغلبه في النهاية بإذن الله إذا غالَبها”.

ورحم الله الإمام الشهيد حسن البنا الذي وصف العاملين للدعوة بأنهم “روح جديد يسري في قلب هذه الأمة، فيحييه بالقرآن، ونور جديد يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله”.

فهلاّ عشنا هذه الروح؟

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 170519