فقد التوازن بين الدعوة والأسرة طريق يهدم بيوت الدعاة

البيت المسلم › عن الأسرة 2015-03-10 عدد القراءات: 727

فقد التوازن بين الدعوة والأسرة طريق يهدم بيوت الدعاة

آفاق

الأسرة مملكة الداعية الأولى ومنطلقه، وحين تصحّ هذه المملكة، ويستقيم أمرها فإنها تصبح مدرسةً للدعاة، وإذا كانت الأسرة والدعوة على الدرجة نفسها من الأهمية، فليكن ذكاء الداعية في تنفيذ حديث سلمان الفارسي –رضي الله عنه-:”أعطِ كل ذي حق حقه”، وأن يعي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”.

وعلى الرغم من أن الإسلام حرص على توصية الأبناء بالآباء فهذا لا يعني سقوط وغياب حقوق الأولاد على الآباء.

فكم نسمع عن أبناء الدعاة أنهم من أبعد الناس عن الله؟ -وغالباً ما يكون ذلك بتفريط الدعاة أنفسهم في حقوق أبنائهم- فهل يصح أن نسوّغ ضياع الأبناء، وجهل الزوجات بالانشغال بالدعوة؟؟

الدعوة تبدأ من البيت

زكريا زين الدين أستاذ الحديث الشريف وعلومه بكلية أصول الدين في الجامعة الإسلامية بغزة قال: ”إن عدم اهتمام الداعية ببيته وزوجته وبتربية أبنائه نتيجة انشغاله بالدعوة يؤثر تأثيراً سلبياً على نفس الداعية، إذ إنه سيصطدم بعد فترة من الزمن بأن زوجته وأبناءه غير ملتزمين بما يدعو إليه، وبالتالي يصبح داعية لا يصلح بأن يكون قدوة في المجتمع، لأنه من الأولى له أن يدعو زوجه وأولاده”.

وأكد أن الداعية غير المهتم بأسرته يكون سبباً في الإساءة للدعوة وفتح ثغرات لمن يريد محاربة الدعوة، قائلاً: ”هكذا يفعل الدعاة بأسرهم وهكذا يكون أبناؤهم”؛ فيكون هذا سببا في عدم التصديق أو وصمة عار في جبين الدعوة”.

وأضاف أنه لابد من الداعية أن يخصص وقتاً لزوجته وتربية أولاده وتعليمهم والاهتمام بهم في وسط انشغالاته، مؤكداً أن دعوتهم والاهتمام بهم أَولى من دعوة عامة الناس، ”لأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بعشيرته قبل أن يبدأ بقومه، والله تبارك وتعالى قال في كتابه العزيز: ”وأنذر عشيرتك الأقربين”، مخاطبًا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينذر العشيرة، بحسب زين الدين.

واستدل بقوله تعالى أيضاً ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، لافتاً إلى أنه من الواجب على الداعية أن يدعو أهله، كما أن انشغال الداعية بدعوة أهله وزوجه وأولاده، بل وعشيرته، يعتبر جزءاً من الواجبات الدعوية لأنه ليس المطلوب منه مجرد توفير متطلبات الحياة من أن يأكلهم أو يشرب معهم، فهذا جزءٌ من الحياة.

واستدرك قائلاً: ”لكن المطلوب أن يدعوهم وأن يربيهم على الإسلام، كونه جزءاً من المهام الدعوية التي ينبغي على الداعية أن لا يغفلها، لأنه إذا غفلها سيترتب عليها آثار سلبية كبيرة جدًا لا يحمد عقباها”، على حد تعبيره.

آلية تخفيف الآثار السلبية لانشغال الدعاة

وأوضح زين الدين أن الواجبات أكثر من الأوقات، مبيناً أن واجبات الدعاة الملقاة على عاتقهم كثيرة، ورغبة الدعاة الصادقين في أن ينالوا أجراً أكبر وشعورهم بعظم المسؤولية يجعلهم يتحملون التكاليف والأعباء الدعوية التي يحملونها، مما يؤثر ذلك على واقع أسرهم.

وبيّن أن انشغال بعض الدعاة عن أسرهم من الممكن تخفيف آثاره السلبية، إذا ما راعى الداعية بعض الأمور، أولها- اختيار زوجةً مؤمنة تقية مثله، ”فإذا كان هو منشغلاً كثيراً بالواجبات الدعوية فيمكن للزوجة أن تقوم بجانب كبير في تربية الأولاد أما الأمور التي تستعصي عليها تحدث زوجها عنها وتطلب مشاركته أو مساعدته، وبالتالي يفسح بعض الوقت لأولاده لتعليمهم وتربيتهم وتوجيههم، مستدركاً ”لكن، إذا ما تزوج الداعية امرأة غير ملتزمة فهي لن تستطيع أن تُكسب أبناءها ومحيط بيتها بالدعوة لله عز وجل، وبالالتزام بهذا الدين، وبالتالي اختيار الداعية زوجةً داعية فاهمة وملتزمة بدينها يوفر جزءًا كبيراً من الوقت”.

ونوه زين الدين إلى أن الأم بطبيعتها، حتى وإن كانت داعية وتخرج لدعوتها إلا أنها تمكث في البيت فترة أكثر من زوجها.

وأردف قائلاً: ”أما الأمر الثاني- فهو يكمن في متابعة الداعية لأبنائه عن طريق السؤال الدائم للمشرفين على أبنائه في المسجد، لضمان ربطهم به، وبالتالي هو بذلك يساهم مساهمة كبيرة في ضمان تربيتهم ومتابعتهم، ويبقى هامش للداعية وهو هامش التحفيز والتشجيع، فمثلاً يقول لولده إذا حفظت جزءً من القرآن لك هدية أو إذا تحدث المشرف عنك بالمسجد خيراً لك جائزة…”.

وتابع ”الأمر الثالث- هو المعايشة مع أهله واستغلال الأوقات التي يتلاقون فيها مثل وقت الغداء أو العشاء فيأكل معهم وخلال ذلك يتحدث معهم في أمورهم الخاصة أو يعلمهم آداب ودعاء الطعام كذلك الأمر عند النوم”، مشيراً إلى أنه إذا جلس معهم مرة أو مرتين في الأسبوع وذكرهم ببعض الأمور الدينية والحياتية، حتى لو كانت بسيطة فبإمكانه وسط هذه الانشغالات أن يكسبهم أمور دينهم ويحافظ على بناء جيل مؤمن ومحافظ.

حكم انشغال الزوج عن زوجته

وحول حكم انشغال الزوج عن زوجته وأبنائه أوضح زين الدين أن الانشغال في أمور الدعوة واجب، ”ولابد أن ينشغل الداعية عن زوجه وأولاده ويعطي دعوته جل أوقاته، ولابد أيضاً أن تنشغل الزوجة والأولاد بالدعوة إلى الله عز وجل”.

واستدل بنموذج بيت أبو بكر الصديق رضي الله عنه بالدعوة إلى الله، قائلاً: ”فأبو بكر كان يهاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم ويدفع ماله، ويخصص راحلتيه ويعدًهم للرحلة، وابنه عبد الله بن أبي بكر يسهر لحراستهما بالغار، وفي النهار يتحسس الأخبار لينقلها للنبي، أما أسماء بنت أبي بكر، وعائشة تعدان الطعام وأسماء تتحمل المتاعب والمصائب لتوصل الزاد”.

وأردف قائلاً: ”تلك عائلة كاملة تضحي بنفسها، وهذا ليس إفراط إنما هو واجب، وكلما أعطى الإنسان وقته وجهده وماله وأهله وزوجه وأبناؤه للدعوة كان له الأجر في ذلك”.

وأشار زين الدين إلى أن جميع العاملين وفي كل المهن قد ينشغلون في أعمالهم والأمر لا يقتصر على بيت الداعية، فالتاجر والطبيب والمهندس قد ينشغلوا عن عائلاتهم، والذي ينشغل ليكون له رصيد في الآخر أفضل من الانشغال في الأمور الدنيوية.

وأكد أن من يقضي وقته في سبيل حفظ دين الله عز وجل، لن يخذله الله وسيحفظ له أبنائه، مسترشداً بقول الله تعالى في قصة الجدار في سورة الكهف، ”وكان أبوهما صالحًا”، لافتاً إلى أن هؤلاء أولاد رجل صالح، وأراد الله أن يحفظ لأولاده المال، وبالتالي من أنفق لله عز وجل وأعطى في دين الله وسخر ماله وأهله وزوجه وأولاده حتى وإن انشغل عنهم فالله يحفظهم.

الموازنة بين الدعوة ومتطلبات الأسرة

وفي سياق متصل، قال وليد شبير أستاذ الخدمة الاجتماعية في الجامعة الإسلامية بغزة: ”إن الدعوة إلى الله واجبة على كل إنسان مسلم، مستدركاً ”لكن ينبغي على الداعية أن يضع أسس ومواصفات لدعوته، ولابد أن يحدد ما هو منهجه في الدعوة، وأن ينظم وقته ما بين الدعوة في عمله وما بين أسرته واحتياجاتها، فأسرته من زوجةٍ وأطفال يحتاجون إلى رعاية أيضاً، ولا يجوز أن يكون العمل بالدعوة على حساب الأطفال والزوجة، لأنه بذلك يبني في طريق الدعوة والنجاح بها، ويهدم على صعيد أسرته”.

وذكر شبير أن عدم اهتمام الأب الداعي بأبنائه يولد أبناء مشردين إلى جانب بعض المشكلات الأخرى ربما تكون دينية أيضاً.

وتابع ”كذلك الزوجة قد تتذمر لعدم اهتمام زوجها بها، وعدم تفرغه لأسرته وبيته، وهذه كلها عوامل تسبب مشكلات، فالداعية الناجح هو الذي يوفق بين عمله وأسرته، لذلك لابد من عمل خطة وبرنامج ثابت يسير عليه الداعية في الدعوة إلى الله ولكن لابد أن لا ينسى بيته”.

ما المطلوب من زوجة الداعية؟؟

وقال شبير: ”إن المطلوب من الزوجة عندما ينشغل زوجها بالدعوة إلى الله أن تتفهم ظروف زوجها، وأن تتحمل المسؤولية معه جنبا إلى جنب في إدارة البيت وتربية أبنائها في غياب زوجها، ومتابعتهم في التعليم وفي تحصيلهم الدراسي، ومعرفة من هم أصدقائهم وما إلى ذلك من تلك الأمور المهمة، مبينا ً أن دور الأم عظيم وكبير جدًا خاصة إذا كان زوجها مشغول وغير مطلع على أمور بيته وأبنائه، فهي تكون بحكم ”وزارة الداخلية” داخل البيت”.

واستكمل حديثه بالقول: ”لابد أيضاً أن تساعد أبنائها في حل مشكلاتهم وإشباع حاجاتهم، وتوفير مستلزماتهم، والسماح لهم بقضاء بعض الأوقات في أشياء مسلية في وقت فراغهم على أن لا تترك بعض الضرر، لكي تستطيع أن تشغل وقت فراغ هؤلاء الأبناء بأشياءٍ مفيدة في ظل غياب الأب عنهم، لكي لا يشعروا بنوع من الإهمال”.

واستدرك شبير قائلاً: ”لكن الأولى من الداعية أن يبدأ بنفسه وعائلته داخل بيته ويوجه أبنائه وزوجته إلى ما هو خير، ومن ثم يمارس دعوته خارج بيته، مشددا على أن الدعوة يجب أن تبدأ داخل البيت أولا ثم ندعي الناس في خارج بيوتنا”.

ونوه إلى أن ثمرة الحياة هي الأبناء وإن صلح الأبناء صلح المجتمع كله، فلذلك لا تصلح الأسر إلا بهدايتها، بحسب شبير.

غياب الداعية عن بيته يولد بعض المشكلات

وأوضح شبير أنه إذا لم يحسن الداعية متابعة أبناءه ولم تحل الزوجة مكانه، ”سنجد هناك مشكلات مثل التخلف الدراسي، ومشكلة الأصدقاء وأقران السوء، كما سنجد ارتكاب الأبناء لبعض المحرمات إن لم يكن هناك رقابة من هذا الأب، وارتكاب بعض الجنح خصوصا إذا كانوا صغار السن أي أقل من ثمانية عشر عاما، مثل جنح السرقة، والمخالفات السلوكية، بالإضافة إلى ضعف التربية والسلوكيات فقد يقوم الأبناء بلفظ ألفاظ سيئة ولا يجد من يراقبهم أو يعاقبهم”.

وأضاف أنه قد يتعرض الابن لمشكلات صحية أيضاً، والأب لا يعلم عنها، خاصةً إن كان مسافرا في بلاد الله الواسعة ولا يسأل عن عائلته حتى ولو من خلال الوسائل الحديثة.

ونوه شبير إلى أن من نتائج الانشغال عن الأولاد الجفاء العاطفي، ”وكما يقال البعيد عن العين بعيد عن القلب؛ فكيف بطفل لا يرى والده إلا مرات معدودة في الأسبوع، ربما يكون هذا الأب يكدح ويتعب ويصل الليل بالنهار عملاً ودعوة وما إلى ذلك، لكن كيف يشعر الطفل بهذا؟ فالفاكهة والخيرات التي يملأ بها الأب البيت لا تغني عن تواجده وقربه من أولاده؛ فهم يحتاجون إلى الإشباع العاطفي كما يحتاجون إلى الإشباع البدني”.

وقال شبير: ”إن من أبرز النتائج السلبية لغياب الداعية عن بيته هو فشل أبنائه؛ أو انحرافهم، فمن يصحح المسار؟ ومن يرغب ويرهب في الحياة؟، مضيفاً أن الفشل لا يكون في الحياة العملية فقط؛ بل يتعدى إلى فشل في الحياة النفسية؛ حيث يشب الأبناء ناقمين على الدعوة لأنها سبب في بعد أبيهم عنهم، وإذا استطاع الداعية أن يصلح بيته أصبح مدرسة دعوية يعلم فيها الصغار قبل الكبار”.

نصيحة

وطالب شبير زوجات الدعاة بالصبر، ومعالجة القضايا بحكمة مع زوجها أولا، بحيث تجلس معه وتقنعه بأنه لابد من الدعوة إلى الله، لكن- مع الاهتمام ببيتك وأولادك وأسرتك والجلوس معهم وأن توازن بين عملك في الدعوة خارج البيت، وبين رعايتك للأسرة، مضيفاً أنه ينبغي على الزوجة أن تتفهم هذا الأمر وإذا لم يستجب هذا الزوج، وأصبح متعنتاً، فعليها أن تتصل بالمؤثرين عليه من أصدقائه أو أقاربه، بحيث يتحدثوا معه عن الاهتمام ببيته وأطفاله وزوجته، وليس المعنى أن نمنعه عن عمله، وإن صبرت عليه فلها الأجر.

رسالة للدعاة

ووجه شبير رسالةً إلى كل إنسان ينشغل في عمله إلى إتقان العمل، مع الموازنة بين عمله وبيته وأسرته، ومتطلبات الحياة الاجتماعية، بما فيها صلة الرحم والزيارات، ”ولابد أن يضع له خطة وأن يوفق بين عمله واحتياجات أسرته وصلة رحمه، وذلك حتى يكون مؤثراً في المجتمع ومحافظاً على أسرته وبيته”.

وأكد أنه يمكن للداعية أن يخفف من أثر غيابه عن أسرته عن طريق استخدم التليفون مرة في اليوم على الأقل، قائلاً: ”أيها الداعية – وأنت في العمل اطمئن على أسرتك، خاصة وقت عودة الأولاد من مدارسهم، أو ادخل البيت بهدايا ولو بسيطة للزوجة والأولاد اقتداءً برسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ”تهادوا تحابوا”، واحرص على العودة إلى البيت قبل موعد نوم الأبناء بساعة على الأقل”.

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 170647