المقاومة الراشدة ومراعاة المآل..قواعد تأصيلية

ركن الشباب 2015-03-29 عدد القراءات: 583

آفاق

تتعرض المقاومة في هذه الأيام لحملة تشويه كبيرة، خصوصاً ممن ينسبون أنفسهم لهذا النهج، إذ إنهم يرفعون شعارات إسلامية لتبرير أفعالهم، لكنهم في الحقيقة بعيدون عن روحه وفلسفته وأخلاقياته خلافاً لتلك التي سطرتها المقاومة الراشدة الواعية.

عقود عديدة مرت على المقاومة الإسلامية الفلسطينية، وهي تضرب أروع الأمثلة على التضحية والبطولة، وتلتزم بقواعد الجهاد التي أقرها الشرع، وتؤكد على عدالة القضية، مما أكسبها تأييداً جارفاً بين الناس، لا تؤثر عليهم تشويهات الإعلام المأجور، أو الدعايات السياسية المغرضة.

ونظراً لما يحمله الواقع الحالي من متغيرات سريعة، جعلت بعض الأفراد مرهونين للحماسة المفرطة، بالإضافة إلى الجهل بتعقيدات المشهد السياسي والمستجدات الميدانية، بحيث يطلبون من المقاومة أن تدخل في معارك جانبية، أو تترك ميادين ومجالات مهمة، فإننا بحاجة إلى ترسيخ مفهوم مراعاة المآل في السياسات والقرارات، لتظل مقاومتنا راشدة كما هي، بعيدة عن التطرف والتخبط والعشوائية.

مراعاة المآل، هو مفهوم أصولي مقاصدي له تأصيل في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبه يكون العمل أقرب لتحقيق مرضاة الله عز وجل، وتحقيق المصالح المتوخاة من العمل. إذ المقاومة لم تكن إلا لجلب المصالح وعلى رأسها تحرير كل فلسطين وطرد المحتل من أرضها، وبالتالي فلا بد أن تسير وفق منهج صحيح لتحقيق هذه الغاية، وبالتالي لا تضيع هذه التضحيات والبطولات سدى وتذهب هدراً. وهو في الوقت نفسه مفهوم دقيق جداً، يحتاج إلى إعمال العقل، ودراسة الواقع بشكل عميق للوصول إلى القرار السليم، إذ قد يكون القرار ذو فائدة جزئية، لكن أضراره أكبر ومفاسده أعم وأخطر، والعكس صحيح.

وفي تأصيله لها يقول الإمام الشاطبي في الموافقات : “النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام؛ إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل؛ مشروعاً لمصلحة فيه تُستجلب، أو لمفسدة تُدرأ”.

وحتى يكون تناولنا لهذا الموضوع أكثر عمقاً، فإن العلماء قد وضعوا مجموعة من القواعد التي تحقق هذا الأمر، وهي مبثوثة في كتب المقاصد، ولكن يكتفي أن نشير إلى مجموعة منها:

أولاً: لابد أن يكون الحكم متعلقاً بما يترتب عليه من نتائج وما يتعلق به من شواهد، إذ يحتاج من القائمين على المقاومة خصوصاً، أو على كل المسؤولين في الجماعات والأحزاب، دراسة الواقع الحالي، والنتائج المترتبة على القيام بفعل ما، والموازنة بين ما يترتب عليها من مصالح ومفاسد. صحيح أنه لا توجد أمور فيها مصالح خالية من المفاسد، أو مفاسد خالية من المصالح، لكن لا بد من الموازنة بينها وما يترتب عليها من آثار. ومثال ذلك قوله تعالى : {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم} [الأنعام:108]. فسب آلهة المشركين فيها مصلحة جزئية إذ تحوي على إهانة آلهة المشركين، لكنها في الوقت نفسه تضم مفسدة أكبر وهي سب المشركين لرب العالمين، وهي بلا شك أخطر وأعظم من المصلحة المتوخاة، وبالتالي نهى الله عن القيام بها لما يترتب عليها من مفسدة.

ثانياً: دفع أعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما. فقد تكون الحماسة تتطلب القيام بفعل يؤدي إلى مآل فاسد، رغم أنها بحد ذاتها فعل حسن يحقق بعض المصالح للمسلمين. ومثاله ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما أن زعيم المنافقين عبد الله بن سلول قال: لئن رجعنا إلى المدينة لنخرجن الأعز منها الأذل، وحينما هم عمر رضي الله بقتله، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: “دعه، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه”. فقتل المنافق فيه مصلحة للمسلمين بتطهير الصف، واسئصال شأفته ومن على شاكلته. إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدرك أن قتل رجلٍ مثل ابن سلول سيجلب سمعة إعلامية لا تقارن بقتله، بحيث قد يؤدي إلى نفور الناس عن الإسلام واعتناقه، فأبقاه مراعاة للسمعة الإعلامية ودرءاً للمآل الفاسد المتوقع.

ثالثاً: الترخيص في الممنوع حال توقف الأمر المشروع عليه. وهذا يعني أنه قد يجوز الإبقاء على أمر ممنوع في ظاهره؛ لأن وجوده يحمي المسلمين من مفاسد أكبر وأخطر. تماماً كما في مسألة تجديد بناء الكعبة، إذ إن قريشاً بنت الكعبة بعد هدمها خلافاً لما كانت عليه زمن الأنبياء السابقين –عليهم السلام- وكانت المصلحة أن يصحح الخطأ ويعاد بناء الكعبة على ما كانت عليه، لكن جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم للسيدة عائشة رضي الله عنها : “لولا حداثة عهد قومك بالكفر، لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراهيم، فإن قريشاً حين بنت البيت استقصرت، ولجعلت لها خلفاً” (متفق عليه). لهذا تركها النبي على ما هي عليه رغم مخالفة ذلك للصواب ولفعل الأنبياء السابقين، حرمة للبيت في النفوس، وحتى لا يعتبروا ذلك جرأة على بيت الله الحرام، مما يؤثر على إيمانهم وثباته في صدورهم.

رابعاً: منع المشروع لإفضائه إلى الممنوع. ومثال ذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إقامة الحدود في الغزوات والمعارك، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن تقطع الأيدي في الغزو (رواه الترمذي والنسائي وغيرهم). حتى لا تدفع الحمية المخطئ إلى ترك الصف، وإضعافه ودب الوهن فيه، ويلتحق بالأعداء فيؤدي إلى زيادة قوتهم، وبالتالي هزيمة المسلمين، أو خسارتهم لمكامن القوة المتمثلة بوحدة الصف. وهنا يكمن الفهم العميق، خصوصاً في ظل ما نشهده من سعي البعض إلى إقامة الحدود دون مراعاة لشروطها بمجرد سيطرتهم على مدينة أو منطقة ما، ما يضعف شعبيتها، ويجعل كيانها هشاً سرعان ما يزول عند أول معركة أو حرب.

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 170518