أخلاق طالب العلم

مقالات وآراء › تربوية 2015-04-08 عدد القراءات: 414

بقلم: آفاق

أخلاق طالب العلم
الحمد لله رب العالمين، فطر الانسان علي حب المعرفة فأخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا فجعل لنا السمع والأبصار والأفئدة وعلمنا مالم نكن نعلم فقال تعالي ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) [النحل : 78] وأشهد أن لا إله إلا الله .. وحده لا شريك له ..استودع الإنسان أدوات المعرفة والتعلم واعتبرها أمانة ومسئولية يسأل عنها العبد يوم القيامة فقال تعالي ( إن السمع والبصر والفؤاد كل أؤلئك كان عنه مسئولا ) الإسراء . وأشهد أن سيدنا محمدا رسول الله صلي الله عليه وسلم .. حث علي طلب العلم فعن أبي بكرة قال سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول (« اغد عالما، أومتعلما ، أو مستمعا ،أومحبا ، ولا تكن الخامسة فتهلك ). قال عطاء قال لي مسعر زدتنا خامسة لم تكن عندنا والخامسة أن تبغض العلم وأهله » حديث مرفوع رواه البيهقي في الشعب وغيره فاللهم صل علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلي يوم الدين . أما بعــــــــــد .. فيا أيها المؤمنون فإن للعلم آداب وأخلاق لا بد لطالب العلم أن يتحلى بها: فهي حليته ووسيلته إلى الفلاح والنجاح .
فالعلم إن لم تكتنفه فضائل تعليه كان مطية الإخفاق
ومن جملة هذه الأخلاق :ـ
1ـ إخلاص النية لله عز وجل :ــ فالعلم طاعة وعبادة ، والإخلاص لله تعالى واجب في جميع العبادات وسائر الطاعات ، والإخلاص شرط في قبول الأعمال كلها ومن جملتها العلم، أمر الله بالإخلاص في الدين في قوله تعالى : { فاعبد الله مخلصا له الدين ألا له الدين الخالص } [الزمر :2-3] ، وفي قوله سبحانه : { قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين } [الزمر : 11] ، وذلك بإصلاح القصد وإصلاح النية في طلب العلم. قال تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ {5})البينة . والإخلاص في العلم أن يبتغي به وجه الله تعالى، فإذا كان هم طالب العلم تحصيل شهادة أو تبوء منصب لكسب منافع مادية فحسب: فإنه لا يكن مخلصا في طلب العلم . عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلمْ: (من تعلم علما مما يبتغي بِهِ وجه اللَّه، لاَ يتعلمه إِلاَّ ليصيب بِهِ عرضا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يَوْم القيامة) يعني ريحها. فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ( لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا لتماروا به السفهاء ولا تخيروا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار النار). فإن هناك من ينوي بتعلمه شغل الوقت، يقول عندي وقت فراغ أشغله بهذا التعلم، وليس له قصد في المنفعة، ولا شك أن هذا قصد قاصر، قصد ناقص إذا كان لمجرد شغل الوقت ، لأن هؤلاء إذا وجد أحدهم ما يشغل به وقته غير العلم انشغل به، فكأنه وجد فراغا فأخذ المصحف أو أخذ الكتاب حتى يشغل هذا الفراغ، ولو وجد كتابا ليس علميا لشغل به وقته، ولو وجد من يحدثه لشغل وقته بهذا الكلام الدنيوي أو اللهو. ومن الناس من يكون قصده بتعلمه أمرا دنيويا ، فيقول أتعلم حيث أنه يبذل في هذا التعلم مكافأة، أو أجرة، أو مال أو نحو ذلك، فيكون من الذين تعلموا العلم لأجل الدنيا، ولا شك أن هذا يفسد النية، ولا يحصل له الفضل الذي ورد في فضل تعلم العلم. ومن الناس من يكون قصده بالتعلم مجرد شهادة أو مؤهل يحصل به على ترقية أو وظيفة أو نحو ذلك، وهذا أيضا مقصد دنيء لا يليق بالمؤمن أن يقصد هذا المقصد ؛ وذلك لأنه لا يبارك له في علمه إذا كان يدرس لمجرد أن يحصل على كفاءة أو توجيه، أو ما أشبه ذلك، فيكون قصده قصدا دنيئا، وغير ذلك من المقاصد الدنيوية. وإذا قلت : فما المقصد الصحيح؟ وكيف إذا تعلمت العلم يكون قصدي قصدا حسنا ؟
الجواب: ـ أولا: تنوي إزالة النقص، وذلك لأن الجهل نقص، فالله تعالى أخبر بأنه أخرجنا إلى الدنيا من بطون أمهاتنا جهلاء، قال تعالى : { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة } [النحل : 78] ، فإذا عرفت أن الإنسان ناقص في حالة جهله، ونويت أن تزيل هذا النقص لتحصل لك صفة كمال فإن هذا مقصد حسن، فتقول إني رأيت الجهلاء لا يعرفون وقدرهم ناقص عند الناس فأنا أريد أن أسد هذا الفراغ وأن أكمل ذلك النقص. 2ـ تقوى الله عز وجل :ــ فالعلماء هم أعرف الناس بالله وأتقاهم له وبالتقوى يزداد العالم علما ، وبالعلم يزداد التقي تقوى قال تعالى (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {282} (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ {28}) غافر والتقوى هي جماع كل خير ، ووصية الله للأولين والآخرين قال تعالى في سورة النساء {وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا {131}}النساء وقال عز وجل في سورة الأنفال {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ {29}}الحديد. أي يجعل لكم ما تٌفرقون به بين الحق والباطل، وبين الصحيح والسقيم ، وبين الغث والسمين وذلك إنما يكون بنور العلم وميزانه ، ونبراسه ومقياسه فالعلم ثمرة من ثمرات التقوى والتقوى سبيل إلى نيل العلم ، والعلم يرقى بصاحبه إلى أعلى درجات المعرفة بالله والخشية من الله ولهذا يؤثر عن الشافعي رحمه الله أنه قال‏:‏
شكوت إلى وكيع سـوء حفظـي فأرشـدني إلى ترك المعـاصي
وأخبرني بأن العلـم نـور ونـور الله لا يهدى لعاصـي .
3ـ استحضار القلب عند الطلب:ـ إذ لا بد من ذلك لطالب العلم لأنه إن طلبه دون استحضار قلب وحضور ذهن فلن يحصّل شيئا ، وعلى المعلم أن يستعين بالوسائل المفيدة التي تعين على الانتباه والالتفات إلى العلم والإقبال عليه، كالأسئلة والمحاورات مع الطلبة وتنبيه الغافل منهم والثناء الحسن على النابهين المجتهدين ورصد الجوائز والحوافز لهم وتذكيرهم دوما بفضائل العلم وثمراته العاجلة والآجلة .
4ـ علو الهمة :ـ فلا بد لطالب العلم أن تسمو همته في طلبه فيبذل ما في وسعه لتحصيله ولا يركن إلى الكسل والتواني ولا يسوّف ، ويجعل قدوته العلماء العاملين الذين جدوا وتسابقوا في هذا الميدان .
من النماذج المهمة في علو الهمة ما يلي:ــ أـ هذا ابن أبى حاتم الرازى يقول :ـ مكثت في مصر سبع سنوات ، لم أذق فيها مرقة ، نهاري أمر على الشيوخ وبالليل أنسخ وأقابل النسخ ، وفي يوم ذهبنا لموعد شيخ فوجـدناه عليلاً فمررنا بالسوق فوجدت سمكة فأعجبتني فاشتريتها وانطلقنا إلى البيت فجاء موعد شيخ فتركناها وانشغلنا عنها ثلاثة أيــام حتى كادت أن تنتن فأكلناها وهى نيئة . ب ـ الإمام أبو يوسف القاضي، كان شديد الملازمة لشيخه أبى حنيفة ، لازم مجلسه أكثر من 17 سنة ، ما فاته صلاة الغداة معه ، ولا فارقه في فطر ولا أضحى إلا من مرض ، ( روى محمد بن قدامة ، قال : سمعت شجاع بن مخلد ، قال : سمعت أبا يوسف يقول : مات ابن لي، فلم أحضر جهازه ولا دفنه وتركته على جيراني وأقربائي ، مخافة أن يفوتني من أبي حنيفة شيء لا تذهب حسرته عنى ) .
ج ـ الإمام الفقيه المؤرخ المحدث المفسر : أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ، الذي نشأ الشيخ وترعرع وطلب العلم منذ نعومة أظفاره ، وسرعان ما تفتح عقله ، وبدت عليه علامات النجابة وأمارات النبوغ حتى قال عن نفسه : ” حفظت القرآن ولي سبع سنين ، وصليت بالناس وأنا ابن ثماني سنين ، وكتبت الحديث وأنا في التاسعة “.
ومما يدل على علو همته وقوة تحصيله ما أخبر به عن نفسه قال : ” جاءني يوماً رجل فسألني عن شيء في علم العروض ، ولم أكن نشطت له قبل ذلك ، فقلت له : إذا كان غداً فتعال إلىَّ ” ، وطلب سِفْرَ العروض للخليل بن أحمد ، فجاءوا له به فاستوعبه وأحاط بقواعده وكلياته في ليلة واحدة ، يقول : ” فأمسيت غير عروضي ، وأصبحت عروضياً “. 5ـ الصبر والتحمل :ــ فطريق العلم ليس مفروشا بالورود والرياحين بل إنه يحتاج إلى صبر ويقين وعزيمة لا تلين ، فالطريق طويل والنفس داعية إلى الملل والسآمة والدعة والراحة فإذا طاوع طالب العلم نفسه قادته إلى الحسرة والندامة .
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى فإن أطمعت تاقت وإلا تسلتِ
والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
” ومن أعظم ميادين الصبر : الصبر في طلب العلم : فلا سبيل إلى طلب العلم إلا بالصبر ، فالصبر يضئ لطالب العلم طريقه ، وهو زاد لا يستغني عنه ، وخلق كريم لا بد وأن يتحلى به ، صبره على مشقة الترحال إلى الشيوخ وطول المكث عندهم والتأدب معهم ، وصبره على المذاكرة والتحصيل ، وفي قصة موسى والخضر دار هذا الحوار بين نبي الله موسى وبين الخضر عليهما السلام قال تعالى في سورة الكهف ( قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا {66} قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا {67} وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا {68} قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا {69} ) ”
ورحم الله تعالي من قال :ـ
تصبر علي مر الجفاء من معلم فإن رسوب العلم في غفراته
ومن لم يذق ذل التعلم ساعة تجرع ذل الجهل طول حياته
ومن فاته التعليم وقت شبابه فكبر عليه أربعا لو فاته
حياة الفتي والله بالعلم والتقي إذا لم يكونا لاعتبار لذاته .
6ـ المثابرة :ــ فطالب العلم لا يعرف الملل ولا الكلل ولا يتوقف عن الطلب ؛ ولا ينقطع عن التعلم ولا عن العلم في وقت من الأوقات، بل يستمر عليه إلى الممات .. فالعلم بحر لا ساحل له ونهر لا ينقطع ، .. يقول بعض السلف : اطلب العلم من المهد إلى اللحد، أي منذ الطفولة إلى الموت، وكان كثير من السلف يطلبون العلم ويكتبونه، فيدخل أحدهم إلى الأسواق ومعه المحبرة – الدواة التي فيها الحبر – وسنه كبيرة فيُقال : لا تزال تحمل المحبرة ؟ فيقول : مع المحبرة إلى المقبرة، أي لا نزال نواصل العلم. وقيل لابن المبارك : إلي متي تطلب العلم قال حتي الممات إن شاء الله . وقد روي في الأثر ” إذا أتي علي يوم لم أزد فيه علما يقربني من الله عز وجل فلا بورك في طلوع شمس ذلك اليوم ”
ونسمع عن كثير من طلبة العلم أنهم يواصلون طلب العلم ليلا ونهارا ولا يملون ولا يتكاسلون، ويذكر أن أحد مشايخ مشايخنا كان طوال ليله وهو يقرأ للتحفظ أو يكتب العلم، فيجيئه بعض المحسنين بعشاء بعد صلاة العشاء ويوضع إلى جنبه ولا يتفرغ لأكله إلا بعد الأذان الأول في آخر الليل، ويجعله سحوره، يجعل عشاءه سحورا انشغالا بطلب العلم، انشغالا بالقراءة والكتابة وما أشبه ذلك. ونسمع عن الأولين أن أحدهم يسافر مسيرة شهر وشهرين في طلب حديث أو أحاديث ويغيب عن أهله سنة أو سنتين أو سنوات كل ذلك لطلب العلم ولا يملون، ولا يقولون أضعنا أهلنا، أو هجرنا بلادنا .. لأن الدافع قوي وهو تحصيل العلم النافع، فهكذا يكون طالب العلم.البيروني يتعلم مسألة في الفرائض وهو في مرض موته !. * جاء في معجم الأدباء لياقوت الحموي في ترجمة الإمام الفلكي الرياضي الفذ ، والمؤرخ اللغوي الأديب الأريب ، والعالم بالشريعة ومقارنة الأديان :ـ الجامع لأشتات العلوم أبى الريحان البيروني ( محمد بن أحمد الخوارزمي ( 362 – 440 هـ) : حدث الفقيه أبو الحسن على بن عيسى الولوالجي قال : دخلت على أبى الريحان وهو يجود بنفسه ، قد حشرج نفسه ، وضاق به صدره – قد بلغ من العمر 78 سنة – فقال لي في تلك الحال : كيف قلت لي يوماً : حساب الجدات الفاسدة – وهى التي تكون من قبل الأم – ؟. فقلت له إشفاقاً عليه : أفي هذه الحالة ؟ قال لي : يا هذا ‍‍ أودّع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة ، ألا يكون خيراً من أن أخليها وأنا جاهل بها ، فأعدت ذلك عليه ، وحفظ ، وخرجت من عنده وأنا في الطريق فسمعت الصراخ ‍! ) .
7 ـ مذاكرة العلم :ـ وقد قيل :
إحياء العلم مذاكرته *** فأدم للعلم مذاكرته
ولقد كان سلفنا الصالح يتواصون بمذاكرة العلم ، يقول أحدهم: مذاكرة ليلة أحب إلي من إحيائها. يعني : جلوسي في هذه الليلة أتذكر العلم وأتذكر ما حفظته أحب إلي من أن أقومها قراءة وتهجدا وصلاة وركوعا وسجودا . 8ـ كتابة ما استفاده :ـ فكلما استفاد فائدة أثبتها معه في دفتر أو ورقة وكررها إلى أن يحفظها . يقول العلماء : ” إن ما حفظ فر وما كتب قر ” ، أي أن ما كتبته ستجده فيما بعد .. ويشبهون العلم بالصيد، فيقول بعضهم:
العلم صيد والكتابة قيده فاحفظ لصيدك قيده أن يفلت
9ـ أن لا يمنعه خجله من السؤال :ــ ولذلك قال بعض السلف : ” لا يتعلم العلم مستح ولا مستكبر ” ، يحمله تكبره على أن يعجب بنفسه ويبقى على جهله، وكذلك أيضا يحمله خجله عن أن لا يطلب أو يستفيد ممن معه علم فيبقى على جهله. روى الإمام مسلم في صحيحه عن عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة؛ قالت: جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “نعم. إذا رأت الماء” فقالت أم سلمة: يا رسول الله! وتحتلم المرأة؟ فقال “تربت يداك. فبم يشبهها ولدها”. وهذا ابن عباس رضي الله عنهما : مع حرصه على ملازمة النبي صلي الله عليه وسلم قبل وفاته ، ودعائه له صلي الله عليه وسلم كان مجتهدا في طلب العلم من فقهاء الصحابة بعد وفاة النبي صلي الله عليه وسلم فعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ” لما قبض رسول الله صلي الله عليه وسلم قلت لرجل من الأنصار هلم فلنسأل أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم فإنهم اليوم كثير قال فقال واعجبا لك أترى الناس يفتقرون إليك قال فترك ذلك وأقبلت أسأل فإن كان ليبلغني الحديث عن رجل فآتي بابه وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه تسفي الريح علي من التراب فيخرج فيراني فيقول يا ابن عم رسول الله ما جاء بك هلا أرسلت إلي فآتيك ؟ فأقول لا أنا أحق أن آتيك فأسأله عن الحديث فعاش الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي ليسألوني فقال هذا الفتى كان أعقل مني ” .
10 ـ التواضع والانكسار :ــ لا سيما في مجالس العلماء، وذلك أن العالم هو الذي يتواضع لمن يعلمه، وقد ورد في الأثر : ” لا يتعلم العلمَ مستحي ولا مستكبر ” . فالذي يتكبر ولا يتواضع لمن هو أصغر منه لا يوفق للعلم كما إذا رأى عالما أصغر منه سنا يقول كيف أتعلم من هذا الطفل ؟ أو من هذا الصغير الذي أنا أكبر منه ؟ نقول : إن الله تعالى شرفه وفضله بالعلم فعليك أن تصغر نفسك وتتواضع وتأخذ العلم ممن هو معه ، ولو كنت أشرف وأغنى وأكبر وأرقى فإن العلم يؤخذ من منابعه ومن أهله. ومن أدب المتعلم توقير المعلم واعطاؤه ما يستحق من التكريم والإكبار فإن المعلم لتلميذه بمنزلة الأب لولده ، بل قال يحي ابن معاذ رحمه الله ” العلماء أرحم بأمة محمد من آبائهم وأمهاتهم قيل له وكيف ذلك ، قال: لأن آباؤهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا والعلماء يحفظونهم من نار الآخرة . وبهذا صار حق المعلم كما يقول الإمام الغزالي أعظم من حق الوالدين فإن الوالد سبب الوجود الحياة والحياة الفانية ، والمعلم سبب الحياة الباقية ولولا المعلم لانساق ماحصل من جهة الأب إلي الهلاك الدائم وإنما المعلم هو المفيد للحياة الأخروية . وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه ” ، (وقال تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والوقار وتواضعوا لمن تتعلمون منهم ” ) . ، وقال صلي الله عليه وسلم ( ثلاثة لا يستخف بهم إلا منافق : ذو الشيبة في الإسلام ، وذو العلم ، وإمام مقسط ) وقال الشعبي رضي الله عنه : صلي زيد ابن ثابت علي جنازة فقربت إليه بغلة ليركبها ،فجاء ابن عباس فأخذ بركابه ، قال زيد ابن ثابت خل عنه يا بن عم رسول الله، فقال ابن عباس هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء والكبراء ، فقبل زيد ابن ثابت يده وقال هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت رسول الله صلي الله عليه وسلم . ورحم الله أمير الشعراء أحمد شوقي :ـ
قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا أرأيت أعظم أوأجل من الذي يبني وينشئ أنفسا وعقولا.
ومن حق المعلم كما أخبر سيدنا علي رضي الله عنه :ـ ألا تكثر عليه بالسؤال ، ولا تعنته في الجواب ، وألا تلح عليه إذا كسل ، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض أي تريد أن تستوقفه ، ولا تفشين له سرا ، ولا تغتابن عنده أحد ، ولا تطلبن عثرته وإن زلت قبلت معذرته ، وعليك أن توقره وتعظمه لله ما دام يحفظ أمر الله ، ولا تجلس أمامه أي يدير له ظهرك ، وإن كانت له حاجة سبقت القوم إلي خدمته .، ومن توقير المتعلم للمعلم أن يحسن الصمت في موضعه كما يحسن الكلام أو السؤال في موضعه . وكما شاع في الأمثلة ( من علمني حرفا صرت له عبدا ).وهذه غاية في التكريم للعلماء والمعلمين لم ترق إليها أمة من الأمم .
وأخيرا إن الإنسان إذا تأدب بهذه الآداب الشرعية فإن الله تعالى يوفقه ويفتح عليه ويرزقه العلم النافع والعمل الصالح، ونذكر الخصال الستة التي نظمها بعضهم :
أخي لن تنال العلم إلا بستة سأنبيك عن تفصيلها ببيان
ذكاء وحرص واجتهاد ودرهم وصحبة أستاذ وطول زمان
وهذه بعض الأدعية عند طلب العلم ( اللهم نور بالكتاب بصري واستعمل به بدني وأسرع به فهمي وأطلق به لساني وقوي به عزمي بحولك وقوتك فإنه لا حول ولا قوة إلا بك وأنت أرحم الراحمين )
وفي الختام نسأل الله عز وجل أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا ، وأن يجعلنا من ” الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ”
هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 174101