المشاريع المتصارعة في الشرق

مقالات وآراء › عامة 2015-04-08 عدد القراءات: 190

بقلم: م.بدر الدين حمدي مدوخ

المشاريع المتصارعة في الشرق

     العالم بطبعه كانت تتجاذبه قوتان عالميتان على طوال التاريخ تقريباً، قوة من الغرب تقابلها قوة من الشرق، ويُعرف ذلك بالعالم ذوي القطبين، وحينما استطاعت أمريكا تفكيك الإتحاد السوفيتي بصفته القطب المقابل والعدو ومن ثم حلف وارسو في يوليو 1991م، وأصبحت الولايات المتحدة القوى العظمى الوحيدة في العالم وخلفها الحلف الأطلسي، تكلم العديد من الباحثين والمؤرخين والساسة عن أن هذا الأمر استثنائياً ولا بد من أن يُدار العالم من قطبين لا قطب واحد، ولذلك لا بد من قيام قوة تحل محل المعسكر الشيوعي السابق أو يعود لقوته ليعادل الخلل ويعيد التوازن.

     المهم أن صراع القطبين الرئيسيين في العالم تكون ساحته في معظم الأحيان المنطقة الإسلامية وبالتحديد العربية منها، بحكم انها بعيدة جغرافياً عن مراكز وعواصم القطبين، ولامتلاكها لمعظم ثروات العالم ومصادر المياه وجمال الطبيعة، ومن عادة الظالمين والمستكبرين أن يتاجروا بدماء غيرهم من الشعوب ويجلبوا إليهم خيراتها.

      ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه القطبية حين تحدث عن الصراع في أدني الأرض بين الروم والفرس في أوائل سورة الروم، وهذا من التدبر السياسي المهم للقرآن الكريم والذي يشير إلى هذا الوضع، ولم يضعف القطبين ولم يستسلما إلا للأمة الإسلامية، فهزم المسلمون الروم والفرس وقضوا على الدولتين كدول مهيمنة فانحصرت الروم في روما والقسطنطينية ودخل الفرس الإسلام، أما قوة الصين والتتار والترك وغيرها من القوى لا تعد قوىً محورية ولا قطبية عبر التاريخ إنما هي فترات عابرة في التاريخ سرعان ما تنجلي.

فأصبح الفرس جزء من الأمة الإسلامية بحكم دخولهم الإسلام، واستمر الصراع بين الدولة الإسلامية (كقطب الشرق) وبقايا دولة الروم (كقطب الغرب)، حتى دخول الترك في الإسلام وانتقال قيادة الدولة الإسلامية إليهم تدريجياً منذ تأسيس الدولة العثمانية في القرن الرابع عشر الميلادي.

بعد أفول الدولة الإسلامية والقضاء على الخلافة الإسلامية عام 1924م تبلور قطبان من جديد، حيث الغرب الرأسمالي والشرق الإشتراكي وكلاهما وريث الروم حضارة وديناً، ولذلك تسابق الطرفين بسرعة للإعتراف بوجود الكيان الصهيوني في المنطقة كدولة من اليوم الأول لإعلان هذه الدولة الممسوخة، لأن وريثي روما اعتبراها مانعاً لعودة المارد الإسلامي من الجديد والذي هو وحده الكفيل بإنهاء امبراطوريتهما.

تصارع الغرب بقيادة أمريكا والشرق بقيادة روسيا على السيطرة على العالم وكان الشرق الإسلامي أخصب أرض للصراع، وتقاسم الغرب والشرق ميراث الدولة العثمانية فيما يعرف باتفاقية ساكس بيكو، ولكن هذا الصراع كان يتحول إلى وحدة في الرؤية عند الحديث عن وجوب بقاء المسلمين والعرب ممزقين ووجوب حفظ أمن دولة العدو الصهيوني ووجوب إبعاد الإسلام عن الحياة، مع وجود هامش هنا أو هناك للتحرك.

بدأت الكيانات الصغيرة الناشئة (الدول العربية الحديثة) تأخذ كل واحدة منها مكاناً مع أحد القطبين، ومع انكسار المعسكر الشرقي نشأ فراغ في المنطقة، وفي نفس الوقت كانت هناك قوى صاعدة حاولت وما زالت تحاول أخذ زمام المبادرة لتفرض نفسها كقطب جديد يحل محل القطب الشرقي، فكانت الصين، والهند ودول شرق آسيا وكانت إيران وريثة أمجاد فارس وتركيا وريثة الدولة العثمانية.

والحقيقة ومن وجهة تاريخية فإن القوتان الوحيدتان اللتان تملكان إرثاً حضارياً يمكنكل واحد منها من تزعم العالم هما الإيرانيون والأتراك، فالحضارة الفارسية أثرت في معظم الشعوب والأديان، فالمذهب الشيعي معظم انحرافاته بسبب إسقاط بعض الموروثات الفراسية عليه من قبل مسلمي فارس الضعفاء إسلاماً، فتقديس الأئمة والشيوخ وعصمتهم نابع من تقديسهم لكسرى وذريته، واعتقاد بعض المذاهب الشيعية بحلول الذات الإلهية في بعض الاشخاص نابع من هذا الموروثن حتى اليهود ومنذ السبي البابلي تاثرت عقائدهم بالمعتقدات الفارسية الوثنية كتناسخ الأرواح وغيرها.

والأتراك قادوا العالم الإسلامي لمدة خمس قرون حيث كان المسلمون سادة العالم وأجرى الله فتح القسطنطينية على أيديهم، وبنوا حضارةً رائدة للمسلمين.

فإيران – وريثة الفرس – تتبنى مشروعاً ربما كان مخفياً عند معظم الناس ولكنه اليوم أصبح واضحاً، هذا المشروع هو إرجاع مجد الفرس الذي قضى عليه المسلمون العرب على يد سعد بن أبي وقاس وخالد بن الوليد وغرهم من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، واستغلت إيران هذا الفراغ الناشئ والذي كان باستطاعة العرب لو توحدوا وأحسنوا إدراة شؤونهم، كان باستطاعتهم استغلال هذا الفراغ وسد هذه الثغرة وهذا لن يتم للعرب إلا بالقضاء على بذرة المشروع الغربي في المنطقة وهي الدولة الصهيونية.

وتركيا من جهة أخرى تتبنى مشروعا طموحاً بدأت ملامحه واضحة من خلال شخصية أردوغان، إلا أن المشروع الإيراني مبني على التعصب المذهبي والإستقواء وفرض الأجندات الخاصة، أما المشروع التركي فلا يظهر البعد المذهبي بل يستند لتعزيز قيمة الإنسان والدفاع عنها ومبني على الإحتواء بدون إكراه وبتبني قضايا العدل والحرية للشعوب والدفاع عن المظلومين في المنطقة.

من هذا السرد التاريخي والتحليلي نخلص إلى أن المشروع الإيراني الفارسي يحاول سد الفراغ في منطقتنا وإن كان يحمل صبغة إسلامية مذهبية غير مريحة، أما المشروع التركي يثبت أقدامه في المنطقة ويكسب قلوب المسلمين وتأييدهم، أما المشروع الغربي فهو وجه الإيستعمار القبيح الذي لا يريد للأمة إلا أن تبقى مستعبدة لديه وخادمةً له.

ونخلص كذلك إلى أن كل نظام عربي وعلى رأسهم السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير هم سبب ما يحدث في المنطقة لأنهم حاربوا شعوبهم بدلاً من أن يقتلعوا حصن المشروع الغربي في المنطقة وهي الدولة الصهيونية، وقاموا كذلك بمحاربة المشروع الإسلامي الراشد في كل مكان بدا ظهور هذا المشروع واختيار الناس له وهو المشروع الوحيد (أي الإسلامي) في المنطقة الذي يملك العوامل الذاتية للتصدي للمشاريع الدخيلة على المنطقة أو التي نهدف لاستعباد الناس لها كالمشروعين الغربي والفارسي، فهو القادر أن يعيد  مجد الأمة العربية والإسلامية من جديد، وهذا يوجب على زعماء المنطقة أن ينتبهوا لذلك ويسخروا إمكاناتهم وطاقاتهم لدعم هذا المشروع الإسلامي الراشد الذي تقوده جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة الإسلامية.

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 162472