دراسة تحليلية : الإرهاب ومحددات المواجهة والتناقضات الدولية

مقالات وآراء › عامة 2015-05-03 عدد القراءات: 485

بقلم: آفاق

دراسة تحليلية : الإرهاب ومحددات المواجهة والتناقضات الدولية

آفاق

أشارت دراسة جديدة صادرة عن مركز الجزيرة للدراسات إلى عدم الاتفاق على مفهوم واضح ومحدد للإرهاب، رغم اهتمام الدول بهذه الظاهرة، وأخذها حيزًا كبيرًا من اهتمام الساسة والقادة والمسؤولين في العديد من دول العالم، ورغم أن الكثير من هذه الدول تعرض له في تشريعاته.

ويرى الباحث د.جمال نصار، في دراسته “ظاهرة الإرهاب: محدداته وحقيقة المواجهة والتناقضات الدولية” أن ظاهرة الإرهاب تمثل تهديدًا لسلامة الجماعات البشرية والأفراد وأمنهم، وبدأت بصورة واضحة في العصر الحديث عقب الحرب العالمية الأولى وبعد الثانية، حيث بثَّت المنظمات اليهودية الرعب الصهيوني في فلسطين عن طريق جماعات إرهابية، مثل: “الستيرن” و”الهاجاناه” وما صاحبها من مجازر كـ “دير ياسين” وغيرها، ثم تلا قيام دولة الاحتلال الصهيوني سلسلة من الحروب وأعمال العنف بين العرب والكيان الصهيوني، زاولت فيها دولة الاحتلال شتى أنواع الرعب والإرهاب، والاعتداء المسلح والقتل الجماعي وما زالت تزاول ذلك ضد العرب إلى يومنا هذا.

المفهوم والنشأة والتكوين

“السبب في عدم وجود تعريف محدد للإرهاب يعود إلى اختلاف العوامل الأيديولوجية المتصلة بهذا المصطلح والبنى الثقافية، فما يُعدُّ عملًا إرهابيًّا من وجهة نظر دولة ليس بالضرورة أن يكون كذلك في نظر دولة أخرى”

يرى الباحث أن ظاهرة الإرهاب ليست ظاهرة حديثة؛ فالبعض يُرجع العمل الإرهابي إلى مئات السنين؛ وعلى الرغم من شيوع استخدام مفهوم الإرهاب على نطاق واسع، إلا أنه لا يوجد تعريف مُتفق عليه لهذا المفهوم سواء على المستوى الدولي أو المستوى العلمي، ويعود هذا إلى اختلاف العوامل الأيديولوجية المتصلة بهذا المصطلح إضافة إلى اختلاف البنى الثقافية، أي أن ما يُعدُّ عملًا إرهابيًّا من وجهة نظر دولة أو مجتمع معين ليس بالضرورة أن يكون كذلك في نظر دولة أخرى.

ويرى الباحث أن الأصل عدم اقتصار مفهوم الإرهاب على ما يمارسه الأفراد، أو بعض المجموعات، بل يتوجب أن يتسع معنى الإرهاب، ليشمل “إرهاب الدولة”، حتى لا يكون هناك ازدواجية في تعريف المفهوم، فما تقوم به دولة الاحتلال الصهيوني -على سبيل المثال- لا يوصف إلا بإرهاب دولة ضد شعب أعزل يدافع عن حقه في تقرير مصيره.

ومن أبرز النماذج على إرهاب الدولة في العالم العربي، ما يمارسه بشار الأسد من قتل وتدمير لشعبه، والسيسي في مصر، الذي قام بالعديد من المجازر، منها مجزرة رابعة العدوية والنهضة والحرس الجمهوري وغيرها، وللأسف لا يوجد موقفًا منصفًا من الدول الغربية تجاه هذه الممارسات في تلك الدول، ولا من المنظمات الدولية والحقوقية بالشكل الكافي.

أسباب الإرهاب ودوافعه

تختلف أسباب العمل الإرهابي ودوافعه باختلاف نوع العمل وممَّن صدر (فرد أو جماعة أو دولة)؛ وتأتي هذه الأسباب والدوافع متعددة ومتباينة، ويمكن تقسيم هذه الدوافع والأسباب إلى: دوافع شخصيَّة، وأخرى مجتمعيَّة.

أولًا: الدوافع والأسباب الشخصية

تتنوع الدوافع الشخصية التي تدفع الإرهابي إلى ارتكاب جريمته لتحقيق هدف شخصي، أو بسبب عامل يتعلق بشخصيته، وهذه الدوافع هي دوافع نفسية، وسياسية، وإعلامية.

أ- الدوافع النفسية

فالبناء السيكولوجي للفرد يلعب دورًا مهمًّا في تفاعله مع مجتمعه، وقد أظهرت الدراسات ذات الصلة أن النمو الجسمي والعقلي والانفعالي المضطرب والبيئة الاجتماعية غير السليمة لها علاقة مباشرة بالعمل الإرهابي، كما ترى بعض الدراسات أن القائمين بالعمل الإرهابي تجمع بينهم خصائص متماثلة، كالطفولة المضطربة، والانطواء على النفس، والعلاقات المضطربة في الأسرة خاصة مع الوالدين، والانقطاع عن الأصدقاء.

“من الدوافع السياسية للإرهاب: ما تمارسه بعض الأنظمة ضد مواطنيها؛ من فرض سياسات غير عادلة، وتهميش المواطن، وانتهاك حقوقه وحرياته، بما يشعره بالكبت والقهر السياسي، وأنه مُهمل لا دور له”

ب- الدوافع السياسية

ففي كثير من الأحيان يكون دافع العمل الإرهابي سياسيًّا، للفت نظر الجهة المستهدفة من هذا العمل، وفي الغالب تأتي الدوافع السياسية لأسباب، منها: ما تمارسه بعض الأنظمة ضد مواطنيها؛ من فرض سياسات غير عادلة، وتهميش المواطن، وانتهاك حقوقه وحرياته، بما يشعره بالكبت والقهر السياسي، وأنه مُهمل لا دور له.

كما أن الرغبة في حق تقرير المصير للشعب المحتل، قد يدفع الأفراد لعمل بعض الأعمال الإرهابية لتخليص الوطن من المحتل الأجنبي، الذي يمارس الاضطهاد والقهر.

ج- الدوافع الإعلامية

نتيجة للتطور التكنولوجي في وسائل الاتصال، والتواصل الاجتماعي، في نشر الأخبار والوقائع فور حدوثها، نجد أن من دوافع العمل الإرهابي لفت أنظار الرأي العام العالمي إلى قضية من القضايا، لجذب الانتباه لإيجاد نوع من التعاطف مع القائم بالفعل الإرهابي.

إضافة إلى ذلك، فإن الإعلام من خلال نقله للأحداث يُسهم في إظهار بعض الإرهابيين بمظهر الأبطال؛ مما يدفع إلى تقليدهم والسير على طريقتهم، وهذا ما حدث أيضًا من تحمُّس الآلاف من الشباب للانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” لرؤيتهم من خلال الإعلام أنهم يحققون مكاسب على الأرض، ناهيك عن الظلم الواقع عليهم من أنظمتهم المستبدة.

ثانيًا: الدوافع المُجتمعية

وهي الدوافع التي يكون للمجتمع الذي يعيش فيه مرتكِب العمل الإرهابي دور كبير في دفعه إلى الإرهاب، ويمكن تقسيم هذه الدوافع إلى: دوافع اقتصادية، ودوافع اجتماعية، ودوافع تاريخية، ودوافع إثنية، ودوافع أيديولوجية.

أ- الدوافع الاقتصادية

فالحاجة والفقر والعوز الاقتصادي، قد يكون له آثار سلبية على البناء المجتمعي، بما يولِّد سلوكًا عدائيًّا ضد المجتمع الذي يعيش فيه الفرد، ومن أبرز هذه المشاكل: التخلف الناتج عن السياسات الاقتصادية غير الملائمة للواقع الاجتماعي للدولة، بحيث تتكون فجوة تتسع تدريجيًّا بين الفقراء والأغنياء، وسوء توزيع الثروة والموارد اللازمة للتنمية وتوفير الحاجات الأساسية للناس؛ مما يفرز خللاً في العدالة الاجتماعية، وظلمًا لقطاعات كبيرة من السكان، وهذا يؤدي إلى خلق حالة من النقمة والغضب على فئات من المجتمع، قد يصحبه ردَّة فعل بارتكاب عمل إرهابي معين.

ب- الدوافع الاجتماعية

فالأسرة المفككة التي يسودها الجهل والمشاكل الأسرية، تؤدي إلى ضعف الرقابة على الأبناء، وتترك آثارًا سلبية في نفوسهم، وبالتالي تسهم في انحرافهم، واستغلالهم من قِبل بعض المجموعات الإرهابية. كما يُسهم ضعف دور المدرسة في التربية والتنشئة السليمة، وافتقاد لغة الحوار والتفاهم، إلى ممارسات خارجة عن النظام والتقاليد الاجتماعية. وسوء التخطيط، وانتشار المساكن العشوائية والأحياء الشعبية، وعدم توفر الحد الأدنى للمعيشة، يدفع الشباب إلى الشعور بالقهر الاجتماعي، ومن ثمَّ يدفعهم إلى الانحراف وارتكاب الأعمال الإرهابية.

ج- الدوافع التاريخية

قد تُتخذ الحوادث التاريخية التي حدثت في فترة زمنية بعيدة سببًا من الأسباب الدافعة لارتكاب العمل الإرهابي، ومن الأمثلة على ذلك ما قامت به دولة الاحتلال من أعمال إرهابية ضد القادة الألمان في العهد النازي، وتتبعهم أينما كانوا واختطافهم ومحاكمتهم لادعائها باضطهاد النازيين لليهود.

د- الدوافع الإثنية

فحينما تسيطر النزعة العِرقية على السلطة الحاكمة، وتمارس التمييز العنصري ضد شعبها، وخصوصًا إذا كان متنوع الأعراق، تلجأ بعض الجماعات إلى ممارسة العنف والإرهاب ضد الجماعة الأخرى الأقل قوة بهدف إخراجهم من ديارهم. كما حصل في البوسنة والهرسك وكوسوفا من قِبل الصرب.

هـ- الدوافع الأيديولوجية

قد يدفع التعصب لمبدأ فكري أو ديني إلى اللجوء إلى استعمال العنف وممارسة الإرهاب من قِبل فئة معينة تحاول فرض مبادئها التي تؤمن بها على المجتمع الذي تعيش فيه، وربما تسعى تلك الفئة إلى محاولة الوصول إلى السلطة لتسهيل نشر تلك المبادئ وتطبيقها، ومن أمثلة ذلك: الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية، والصراع بين البروتستانت والكاثوليك لأسباب دينية، وبين الهندوس والمسلمين في الهند.

الإرهاب ظاهرة عالمية

يشير الباحث إلى أن الإرهاب قد تمارسه مؤسسات وأحزاب وطوائف وعِرقيات وحكومات وأفراد. ومن يُقصره على ديانة خاصة أو طائفة أو حكومة أو عِرق، يبتعد عن الواقع والحقيقة. إلا أنه أصبح من المعتاد أن يُقحَم الإسلام في النقاش والجدل بطريقة أو بأخرى كلما وقع عمل إرهابي في أي مكان في العالم، أو فلنقل: في معظم الأعمال الإرهابية لكي نكون أكثر دقة. يحدث هذا الأمر حتى ولو لم يكن الفاعل مسلمًا، لأن أصابع الاتهام والشكوك باتت توجَّه بطريقة تلقائية نحو المسلمين، حتى قبل أن تتضح هوية الجاني وتُعرف دوافعه.

ومن المعروف أن أوروبا نفسها قد عانت الإرهاب الداخلي في النصف الثاني من القرن العشرين، كما حدث في أيرلندا وإقليم الباسك في إسبانيا، ولم تسلَم الولايات المتحدة الأميركية نفسها من الإرهاب الداخلي قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001م، كما شهدت الساحة العالمية أعمالاً إرهابية أخرى في أماكن مختلفة، منها على سبيل المثال: إطلاق الغازات السامة في مترو الأنفاق في اليابان، ومقتل رابين في دولة الاحتلال، وهدم المسجد البابري في الهند على أيدي المتطرفين الهندوس، وغيرها كثير.

ومن تلك النماذج الكاشفة في التاريخ القديم والحديث والتي حدثت بحق المسلمين خصوصاً:

– إبادة 70 ألف مسلم بالقدس عندما اجتاحتها الجحافل الصليبية بعد أن وعدهم القائد الصليبي بالعفو إن استسلموا ثم غدر بهم!! في المقابل عفا صلاح الدين الأيوبي عن الصليبيين عندما فتح القدس.

– الإبادة الجماعية لعشرين مليون مسلم على يد جوزيف ستالين.

– ضرب بغداد وأفغانستان وفيتنام باليورانيوم الناضب، وقصف المستشفيات والمدارس ومراكز توزيع الخبز والمياه وغيرها من أماكن تجمُّع المدنيين بالعراق وأفغانستان مما نتج عنه استشهاد مئات الألوف من المدنيين.

– مذابح دير ياسين وصبرا وشاتيلا ومدرسة بحر البقر وملجأ قانا وإعدام عشرت الألوف من الأسرى المصريين عامي 1956 و1967م، علي أيدي العصابات الصهيونية.

– قتل 250 ألف مسلم بوسني علي أيدي الصرب والكروات، وعشرات الآلاف من الشيشان على أيدي الروس.

ويخلص الباحث إلى أن محاولات بعض الأنظمة الدولية التنصل من ظاهرة الإرهاب وتحميلها جهة دون أخرى، يجافي الواقع والحقيقة؛ فالتاريخ السياسي الحديث يشير إلى عُمق المشكلة، ومن خلال تتبع بؤر التوتر والصراع في العالم، نجد أنه لا يمكن محاصرة تلك الظاهرة مع وجود تلك البؤر، فالمجتمع الدولي يتغاضى عمّا يحدث من انتهاكات للشعب الفلسطيني على أيدي الصهاينة، وبدعم كامل من الولايات المتحدة الأميركية، والحروب الأهلية التي تحركها الأقليات العرقية والطائفية، في أماكن مختلفة من العالم، ومحاولة اللعب بورقة السُّنَّة والشيعة، والسماح بالتدخل في شؤون الدول، كل تلك المشاكل التي تتحرك ذاتيًّا تارة، وبتدخلات خارجية تارة أخرى، تُعدُّ بؤر توتر تساهم في انتشار ظاهرة الإرهاب.

خلاصات واستنتاجات

“لعلاج الإرهاب لابد من البحث عن الجذور التي ينمو فيها ويترعرع، من ذلك: القهر والاضطهاد والاستبداد، ودعم أنظمة الفساد، وتمتين العلاقة مع أعداء الشعوب وشيطنة القادة الوطنيين ومحاصرتهم، وتدبير الانقلابات على الحكومات الوطنية المنتخبة”

أولًا: إن الإرهاب ظاهرة عالمية، قديمة/حديثة، لا دين له، ولا وطن وقد تتغير أشكاله وأساليبه بتغير الزمان والمكان، ولكنه يظل -دائمًا- مرتبطًا بالإنسان أيًّا من كان، وأيًّا ما كانت عقيدته أو مِلَّته أو مذهبه الفكري، ومن الخطأ نسبته إلى دين دون آخر.

ثانيًا: عدم تحديد مفهوم وحقيقة الإرهاب وأسبابه، يفسح المجال لتوسيع دائرة الاتهام، لكل من يخالف السلطات أو الحكومات والأنظمة، التي لا تحقق العدل والحرية لشعوبها، لتحقيق أغراضها في ظلم الشعوب وقهرها.

ثالثًا: مما يزيد الإرهاب استشراءً، ويُعمِّق الخلاف في فهمه، الخلط بين الإرهاب والمقاومة، فكفاح الشعوب من أجل تحرير نفسها من السيطرة أو التدخل الأجنبي عمل مشروع، لا يمكن وصفه بالإرهاب.

رابعًا: اتهام المسلمين دومًا بأنهم صانعو الإرهاب، يكرِّس مفهومًا خاطئًا عن الدين الإسلامي، ويدفع بعض الأفراد والجماعات لتبني أعمال العنف، لشعورهم بالظلم والاضطهاد، بالرغم من ممارسة بعض أصحاب الديانات الأخرى للعديد من الأعمال الإرهابية.

خامسًا: استعمال بعض الأنظمة المستبدة لكلمة “الإرهاب” أصبح الآن عشوائيًّا ويتم دون أي تمحيص أو تقدير لعواقبه؛ فكل من يخالف تلك الأنظمة قد يُتهم بالإرهاب، مما يدفع إلى الإدانة الذاتية دون وعي أو تقدير لتبعات تلك الإدانة من تجريم وابتزاز. ومما يُسهِّل الوقوع في هذا الفخ أن تلك الأنظمة تفصِل بينها وبين شعوبها.

سادسًا: على الأرجح لن يستطيع التحالف الدولي الذي شكَّلته وتقوده الولايات المتحدة الأميركية للقضاء على ظاهرة الإرهاب، لأن المعالجات خاطئة، ولا يتم التعامل مع جذور المشكلة، ومن ثمَّ سيؤدي ذلك إلى المساهمة في تفتيت المنطقة العربية، واستنزاف قدراتها وإمكانياتها تحت بحجة “محاربة الإرهاب”.

سابعًا: لإيجاد حلٍّ لمواجهة ظاهرة الإرهاب، لابد من البحث عن الجذور التي ينمو فيها ويترعرع، من ذلك: القهر والاضطهاد والاستبداد، والقمع، ودعم أنظمة الفساد، وتمتين العلاقة مع أعداء الشعوب وشيطنة القادة الوطنيين ومحاصرتهم، وتدبير الانقلابات على الحكومات الوطنية المنتخبة، وتدبير الفتن بين الشعوب العربية وبين مكونات الشعب الواحد، واحتلال الدول واضطهاد شعوبها. كل هذا لن يولِّد إلا الغضب والكراهية، ويؤسس لبيئة حاضنة للإرهاب يصعُب التعامل معها.

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 170322