دين الفطرة والعقل ومعركة المنفلتين وأصحاب الهوى!

روضة الدعاة › دعوة ودعاة 2015-05-03 عدد القراءات: 189

دين الفطرة والعقل ومعركة المنفلتين وأصحاب الهوى!

آفاق

لابد من التأكيد على أن إسقاط الحكم الشرعي الوارد في القرآن الكريم، من أخطر ما يكون، فهو قد يقود إلى تكفير جماعة مسلمة، أو فرض حكمٍ شرعي في أمور شديدة العموم والاستراتيجية من دون وجه صحة.

تتعدد جوانب وأركان الحرب الراهنة التي يواجهها الإسلام دينًا وحضارة، بما يشمل قيمه الأساسية، وأركانه، بما في ذلك مصادر التشريع الأساسية فيه، وهي القرآن الكريم وصحيح السُّنة النبوية الشريفة.

فلا يظنَّن أحدٌ أن الحرب الحالية على السُّنَّة وكتب الصحاح؛ هي نهاية المطاف، ومنفصلة عن الحرب التي سبقت على علاقة المسلم بالقرآن الكريم، والتي استمرت مئة عام تقريبًا؛ حيث إن المرحلة القادمة من المعركة، تشمل القرآن الكريم ذاته.

ومن بين أركان هذه الحرب قَصْر أحكام عديدة جاءت فيه، خصوصًا فيما يخص القضايا الأهم، وهي الجهاد والدعوة وإقامة دولة الشريعة، على زمن نزولها في عهد الرسول الكريم “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ”، وأن الخطاب القرآني في صددها – كما في سُوَر “الأنعام” و”التوبة” و”محمد” – كان يخص النبي “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ”، ويخص الحالة التي كانت قائمة في حينه، في شبه جزيرة العرب، في سنوات الدعوة الأولى.

ويتم ذلك وفق خطة طويلة الأمد، تعمد إلى “تسييس” الخطاب القرآني في هذا الصدد، وإظهار أنه كان يتعلق بصراع سياسي وصراع نفوذ ظهر في شبه جزيرة العرب بين دولة المسلمين في المدينة، وبين مكة المكرمة وباقي حواضر شبه الجزيرة العربية في تلك المرحلة، وليس بالدين السماوي الخاتم.

وترتكز هذه المعركة على أسس عديدة، من بينها الفوضى الضاربة بأطنابها في المفاهيم لدى المسلمين أنفسهم، بحيث مثلت تلك الفوضى المفاهيمية، ركنًا رئيسيًّا في أدوات الآخر الذي يستهدف الإسلام في أرضه، وفي كل أنحاء العالم.

ومن بين أهم مظاهر هذه الفوضى هو اجتزاء النص القرآني قطعي الثبوت، من سياقه، سواء أكان هذا السياق قرآنيًّا، أم زمنيًّا، أم موضوعيًّا؛ بالشكل الذي يقود إلى التفريط أو الإفراط، وذلك في إطار اتباع الهوى من جانب الناس، سواء على مستوى الفرد المسلم، أو بعض الجماعات السياسية التي تنتمي إلى تيار الإسلام السياسي، وحتى مستوى المجتمع المسلم العادي، غير المؤطَّر فكريًّا بشكل سليم.

ولقد تكلم القرآن الكريم عن ذلك بكل وضوح، وحذر منه، وذم فيمن يقومون بذلك ذمًّا شديدًا، فيقول الله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا (44)} [سُورة “الفرقان”].

والخطاب القرآني في هذا الصدد، على خطورة وعِظَمِ الأمر؛ لم يستثن الرسول الكريم “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ”، فهناك آيات عدة ينهاه فيها ربه تبارك وتعالى عن اتباع الهوى في شريعته ودينه والتزامات كونه إنسانًا مستخلفًا أو اجتزاء القرآن الكريم.

ومن بين الآيات الكريمات التي وردت في هذا الشأن، قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)} [سُورة “المائدة”].

هذه الآية فيها العديد من الرسائل التي تصل إلى مرتبة الفرائض؛ حيث هي أوامر قرآنية من لدن عزيز حكيم، وفي أمور شديد الأهمية بالنسبة للدين، وبالتالي بالنسبة للإنسانية.

ومن بين هذه الرسائل، أنه لا اجتزاء للنص القرآني، وأن القرآن نزل من عند الله تعالى، لكي يُحكَم به، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كلام الله تعالى المُحْكَم، وأنه هو شرعة المسلمين ومنهاجهم الرشيد.

ولذلك، فإن من بين أهم أمراض المسلمين الفكرية والحركية والاجتماعية في الوقت الراهن، قضية التفريط والإفراط في الأخذ بالنص القرآني وتعاليمه؛ فتاهت حقيقة الإسلام، دين الفطرة والعقل والمنطق.

تاه الإيمان بين الناس، بين “لا منطق” – لن أقول منطق لأنه ليس منطقًا بحال – تاهت بين أصحاب “لا منطق” “لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ” – هكذا فقط مجتزأة، وأصحاب “لا منطق” “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء” – أيضًا هكذا مجتزأة.

فكلاهما تجاوز حكمة صاحب النص، واجتزؤوه، إما للتفريط في حالة “لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ”، فأسقطوا “وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ”، أو للحصول على حقوق ليست لهم، في حالة “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء”، فأسقطوا شرط ذلك، وهو “بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ”.

والكثيرون في عصرنا – تبعًا للهوى – يسقطون النص المقدس على حالات ليست له، فيفرطون، لأجل مصالح معينة، أو تبعًا لعادات وتقاليد بالية ما أنزل الله تعالى بها من سلطان، بل إن شريعة الإسلام نزلت، والقرآن الكريم نزل، من أجل إبطالها أو يجتزئون الحالة، فيتطرفون، وهو أخطر ما يواجهه الإسلام في وقتنا الراهن.

فهناك من يسقط آيات التكفير في القرآن الكريم على بعض المسلمين، باعتبار أنه يراهم “كافرين”، وهم على الإيمان، ولكنهم يختلفون معه سياسيًّا، ويجتزئ النص من إطاره، ويقتل على الهوية السياسية أو الحركية، ويفعل ذلك إما ظلمًا منه، أو لسوء فهم وتدبير منه، للنص القرآني.

إن واجب الدعاة والحركيين في هذه المرحلة العمل على التأكيد على عدد من الحقائق التي تصل إلى مستوى مراتب الإيمان، وإلى أن تكون جزءًا من العقيدة، فيما يتعلق بالتعامل مع النص الشرعي.

أول هذه الحقائق، هو أن القرآن الكريم كلٌّ متكامل، ولا يقبل التجزئة والأخذ وفق الهوى، أو المصالح غير الشرعية، فلا نفعل مثل أهل الكتاب عندما آمنوا ببعضه وكفروا ببعضهم، وعنَّفهم الله عز وجل على ذلك في القرآن الكريم.. يقول تعالى: {ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)} [سُورة “البقرة”].

الأمر الثاني، أن التعاليم الإلهية في القرآن الكريم؛ إنما هي فرائض، لأنها أوامر ربانية، فعندما يقول الله عز وجل في آية، افعلوا، أو لا تفعلوا، أو كونوا، أو لا تكونوا؛ إنما هي أوامر واجبة النفاذ، وليست مجرد عبارات مجازية، أو أساطير الأولين، كما قال مشركو مكة المكرمة، في سنوات الدعوة الأولى.

الأمر الثالث المهم، هو التأكيد على أن إسقاط الحكم الشرعي الوارد في القرآن الكريم، من أخطر ما يكون، فهو قد يقود إلى تكفير جماعة مسلمة، أو فرض حكمٍ شرعي في أمور شديدة العموم والاستراتيجية، من دون وجه صحة، برغم أنها قد تقود إلى تغييرات واسعة في حياة المسلمين.

إن القرآن الكريم، كتاب الله المتين، والأخذ منه يجب أن يكون بحقه، وهو الأصل لمصادر التشريع والاستدلال الشرعي، مع صحيح السُّنة النبوية، ثم يأتي بعد ذلك الإجماع والقياس، اللذان يبنغي أيضًا أن ينبنيا على ما جاء في القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية الشريفة.

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 162497