ظاهرة التعلّق بين المربي والمتربي.. آخر العلاج الكَي

روضة الدعاة › دعوة ودعاة 2015-05-04 عدد القراءات: 330

ظاهرة التعلّق بين المربي والمتربي.. آخر العلاج الكَي

آفاق

مشكلة التعلّق بين المربّي والمتربّي من أخطر المشاكل التي تواجه العاملين في الحقل التربوي، والتي غالباً ما تبوء محاولات علاجها بالفشل.

والتعلّق كما يعرّفه المهندس رامي ملحم في كتابه (نحو فهم لظاهرة التعلق بين المربي والمتربي) “هو تمكّن الحبّ من القلب، وتأثيره على السّلوك بوجهٍ مخصوصٍ”.

ولكن كأيّ داء آخر، فإنَّه لا بدَّ له من عوارض تعرض له على العيان، وهنا يأتي الدور الرقابي في العمل التربوي، خاصة أنَّ التعلّق يمرّ بمراحل متعدّدة، ولا يأتي بشكل مباشر أو مفاجئ.

وهنا لا بدَّ من التأكيد على أنَّ هذا المرض قد يتم علاجه بسهولة ويسر إذا ما تمَّ اكتشافه في مراحله المبكرة، مع وجود الخبراء في العمل التربوي الذين يستطيعون تحسّس المرض ابتداء ومن ثم الشروع بعلاجه بالوسيلة الناجعة التي قد تكون ذات مرارة أحياناً.

إنَّ المربّي الذي يرى طلاّبه كلَّ يوم، ويتعامل معهم في ضحكهم وجدّهم ولعبهم ومرحهم لَيَدخُل إلى قلبه شيء من محبة هؤلاء الطلاب، ومن هذه المحبة العطف واللطف والحرص عليهم وهذا كله في دائرة السلوك الطبيعي الذي لا غبار عليه، بينما تراه يجد في قلبه أحياناً ميولاً لواحد منهم، وهذا الميول لا يمكن تفسيره بسبب معين، فليس الجمال هو الدافع الرئيسي، أو الذكاء والنبوغ، فكثير من حالات التعلّق لم تكن تلك الصفات كلّها موجودة فيها ألبتة، وربما استهجن المربون الآخرون هذه الحالة من التعلّق، بينما يرى البعض أنَّ أغلب الحالات تعلّقت بالجمال وسلوك المتربّي، الذي يميل بتصرفاته إلى الرّقة والدلال، بل واهتماماً بالمظهر وطريقة الكلام.

فإذا ما بدأ المربّي يشعر بشعور غريب تجاه طالب من طلابه، فعليه أن يعي جيّداً أنَّ هذه المشكلة قد بدأت بالتشكّل، وأنه إذا ما تمَّ السكوت عليها فإنّها ربّما تزيد أكثر وأكثر بل ربما ستتضاعف، وأفضل السلوك هنا هو أن يبتعد المربّي عن هذا المتربّي بنقله إلى مربٍّ آخر دون أن يبدي الأسباب، أو ربّما بتغيير المجموعات الطلابية ليتعامل مع مجموعة أخرى غير هذه المجموعة التي يتواجد فيها هذا الطالب، وأبرز سمات هذه المرحلة أنَّ المربّي يبدأ يهتم ويسأل عن هذا المتربي وينصت له جيّداً، ويقلّل من شأن أخطائه ويعظم من إنجازاته.

وهنا إن لم يكن الحل، فستبدأ المشكلة بالتضاعف والزيادة أكثر فأكثر، فترى المربّي يفتقد الطالب مباشرة، ويرغب بالجلوس الانفرادي الطويل معه ربّما بحجة حلّ مشكلة أو توجيه معين وغير ذلك من المبرّرات التي سيخلقها لنفسه، وتراه أول ما ينهي صلاة الجماعة يتلفت حوله ليرى هذه الطالب إن كان متواجداً أم لا، بل وستراه ينشط على الصلوات أملاً بلقاء هذا الطالب الذي بدأ يشعر بارتياح عند لقائه والجلوس معه، وفي هذه المرحلة يبدأ المربّي بتقريبه وتمييزه عن الآخرين، ويتجاوز عن أخطائه والمبالغة في الثناء عليه، وتلبية جميع طلباته، والتودد له بشتى الوسائل.

وهذه المرحلة أشدّ خطورة عن سابقتها، لأنَّ الطلاب المتربّين الآخرين سيبدؤون بملاحظة هذه التغيرات عند المربي، وسيدركون بأن المربي يميز بينهم، بينما يكون المربي قد وقع في حب هذا المتربي الذي بات من الصعب فراقه أو الابتعاد عنه، وهنا لا بد من إبعاد الاثنين عن بعضهما البعض، وربما كان إعفاء المربّي فترة من الزَّمن من الاحتكاك بالطلاب جميعاً أدعى لنقاء قلبه من جديد وتطهيره من هذا الحب المميت.

وهنا إن تركت المشكلة على حالها، فإنها ستزداد وستبدأ علامات التعلّق بالظهور الواضح البيّن، والتي من أعراضها هنا كثرة اصطحاب المربي للمتربّي أينما ذهب والتزاور في البيوت إن أمكن وكذلك كثرة تقديم الهدايا، وغالباً ما يتعرّف المربّي على أهل المتربّي جيّداً لأجل تسهيل اللقاء فيما بينهم وكذلك التواصل، وللمتعلّقين هنا أبواب وأبواب، فلا يتشابهون كلهم، فمنهم المقلّ ومنهم المكثر والمبالغ المتطرّف في تعلّقه، ومنهم (السادي) إن صحّ التعبير الذي يسعد بعقوبة المتربّي الذي تعلّق به ويكثر من لومه وعتابه، وغالباً ليس من السهل حلّ المشكلة هاهنا أو تنازل المربّي عن العمل مع الطلاب بهذه السهولة، وغالباً ما يذهب بِغَيِّهِ من خلف المربين الآخرين كي لا يروه مع هذا المتربّي.

بل وربما زاد عن هذه المرحلة إلى المرحلة الأسوأ على الإطلاق وهي التي تليها وهي تملكه للمتربّي، فتراه يريد أن يكون المربّي تابعاً له فقط، دون أن يتواصل مع أيّ شخص آخر، وتراه يشعر بالغيرة على هذا الطالب من أيّ شخص آخر يتواصل معه، يحدثه أو يتقرب منه أو يمشي معه، وهنا لا تنفع الحلول إلا بالإبعاد لهذا المربي الذي افتضح أمره ولا ينفع معه علاج.

باختصار هذه العاطفة تمرّ بعدّة مراحل، قد يكون من السهل الحل في بدايتها وقد يصعب إذا استفحل الأمر إلى حدّ البتر، وهذه المراحل هي (الاستلطاف، الحبّ، التعلّق، التملّك أو الاستحواذ).

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 170318