معادلة الفعالية المسجدية

مقالات وآراء › تربوية 2015-09-04 عدد القراءات: 274

بقلم: آفاق

قد جاء بناء المسجد مع اللحظات الأولى لتأسيس دولة الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة إشارة إلى أهميته الحيوية في حياة المسلم، بجعله محضناً تربوياً نقياً طاهراً، يهدف إلى تكوين وصناعة أداة التغييـر الأولى والأكثـر فاعلية في المجتمعات، ألا وهو ذلك المسلم الذي يرفض قيود الذل والاستبداد، ولا يقبل لأمته أن تكون في قوافل التخلف والهوان، لا لجعله ملجأً يطلب الإنسان فيه ضالته، أو ليدخل إليه المسلم بعد يوم طويل ارتكب فيه من المعاصي ما ارتكب، فيطلب من الله المغفرة والتوبة والرحمة، ما لهذا كان، إنما كان ليعيش فيه المسلم بعيدا عن أدران الدنيا وشهوتها، يصحح فيها مساره، وغايته وهدفه.

جاء المسجد ليضبط نبضات القلوب المجتمعة في أوقات الصلاة على نبضة التغييـر وخلافة الأرض وعمارتها، جاء لتعليم الناس أنشودة الحرية المطلقة التـي تتمثل في الذل بين يديه سبحانه وتعالى، جاء ليعلم الناس أن الرزق بيده والأجل بيده، ليعلمهم أن الخوف والجبن وعبودية غيـر الله هي علامات ذل لا يمحوها إلا العمل لدين الله على بصيرة وهدى، منتفضين على كل متجبر ظالم، متخذين من قوله تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} [الجن:18] منارة لهم في وحشة الطريق.

نعم هو المسجد، أرادوه دار عبادة ورهبانية أو صومعة وخلوة، ولكننا عرفناه منبـراً سياسياً، وجامعة ربانية، ومدرسة نهضوية، وثكنة عسكرية، ونادياً اجتماعياً، ودار عبادة ونسك، وهذا ما نريده هو أن تكون له علامة مميزة، ومواصفات خاصة برواد المساجد وأهلها، فالمسجد ركيزة أساسية في بناء الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، وكأني به كتلك الأنسجة والخلايا التي تتولد مع الجنين في ساعاته الأولى في بطن أمه، تحدد تكوينه وتركيبه ومواصفاته.

وفي ظل تراجع رسالة المسجد اليوم وغياب دوره نكون بحاجة ماسة للعمل على إعادة الهيبة والمكانة والدور المنشود للمسجد؛ لأنه المسمار الأول في جسر نهضة الأمة، واللبنة الأولى في صرحها السامي فلنشمر لإيجاده في ارضنا، وتحقيقه واقعا في حياتنا.

ومما لا شك فيه أن للمساجد دور كبير في تربية الفرد وتاريخ طويل في بناء المجتمع المسلم وتوعية الأجيال فالمسجد الجامعة الأفضل في تخريج أداة التغييـر الفاعلة والحقيقة في المجتمع، هذا هو المسجد وماركته المسجلة، إنه الحلقة الأولى في طريق العزة والنصر والتمكين، فلأجل هذا فليعمل العاملون.

ولتحقيق أكبر فعالية ممكنة للمسجد دوراً ومكانةً ومرجعاً لا بد أن نحرص على تحقيق الحيوية الكاملة في جميع مكونات المسجد وما يرتبط به، ونستطيع القول بأن تحقيق الفعالية المرجوة لدور المسجد في التربية والبناء، تعنـي بالضرورة تحقيق القيمة القصوى في كل جزء من أجزاء المعادلة التالية:

الفعالية المسجدية = العامل المميز + النشاط المميز

وتحقيقها يكون في:

أ- المسجد، من خلال:

1. إدارك الواقع ومتطلباته: على العاملون في المساجد أن يدركوا واقعهم وما يحتاجه، وأن يكونوا على دراية تامة بمتغيرات العصر لكي يستطيعوا أن يخاطبوا الأجيال بما يناسبهم وعلى قدر عقولهم وباحتياجات زمانهم، بالإضافة إلى ضرورة معرفتهم بالبيئة الحاضنة للمسجد (الإمام، المؤذن، أهل المسجد…).

2. الخطة المتزنة المعقولة ضمن الإمكانيات: لا بد أن تكون الخطة المسجدية واقعية ممكنة طموحة وقابلة للتحقيق ضمن قدرات الفريق العامل فكريا وماديا ومعنويا.

3. تحقيق روح الفريق الواحد (We WIN.. We LOSE ) الذي يجتمع على قلب واحد ونغمة تطرب لها الآذان تُعزف على أوتار الإخلاص الصادقة.

ب- العامل المميز، من خلال صفات عدة لا بد أن يتحلى بها وأن تكون جزءاً من شخصيته:

1. الرغبة في العمل وحبه للعمل المسجدي.
2. الكفاءة والقوة اللازمة التي تؤهله للعمل التربوي أو الإداري في المسجد، لا أن يأتي تحت وصاية التوريث الدعوي.
3. الإرادة القوية والعزيمة الفتية، في دفع الناس إلى الخير، والسباحة عكس التيار في بعض الأحيان.
4. أن يتحلى بأخلاقيات العمل الجماعي من المشاركة والتحاور والتعاون.

ج- النشاط المميز (الوسائل)، ويتحقق بثلاثية مهمة وهي:

1. التهديف: أن يكون النشاط ذو هدف تربوي واضح ومحدد.
2. التجديد: أن يكون في النشاط جديدا إبداعيا وحتى النشاط المكرر المعروف لا بد فيه من لمسة تجديد ولو الشيء البسيط.
3. التنفيذ: الدقة والإتقان عند العمل لإنجاز النشاط.

وعلى المربي الفاضل والعامل المميز أن يتذكر أن الوسيلة القاصرة تخذل المبدأ السامي.

هذه المعادلة لا تكتمل إلا بصدق القلوب وإخلاصها وصواب العمل وصلاحه، حينئذ سيعود المسجد ليصنع الرجال ويخرج الأجيال التي تحمل المسؤولية وتكون على قدر تحديات الأمة، ووقتها سيكون المسجد حجر الزاوية في تكامل الشخصية المؤمنة.

هي دعوة للعودة إلى محاريب المساجد وأجوائها الروحانية، وحلقها الإيمانية ودوراتها التربوية وكما قيل من جانب المحراب يبدأ سيرنا، ومحرابنا محرب عبادة وهداية، علم وعمل، روحانية وتربية، فيها يتحقق قوله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} [الأحزاب:23].

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 170342