في رحاب الهجرة النبوية المباركة !

مقالات وآراء › تربوية 2015-10-18 عدد القراءات: 440

بقلم: صلاح جاد سلام

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين ، المبعوث رحمة للعالمين ، سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه والتابعين ، ومن تبعه بإحسان على ملته وسنته إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين .

فهي ذكرى طيبة خالدة متجددة سنويا ، تجمع في ثناياها مزيجا عظيما من القيم النبوية الرفيعة ، من صدق العزيمة والإخلاص والتضحية والصبر ، وتنبئ عن رعاية ربانية وعناية إلهية ، انتقلت بها الرسالة المحمدية من طور الدعوة في مكة المكرمة إلى طور الدعوة والدولة في المدينة المنورة بنور سيدنا رسول الله صلوات ربنا وسلامه عليه .

ثم إن المطالع لأحداث الهجرة النبوية المباركة ونتائجها ، مرورا بإرهاصاتها وأسبابها ، لابد وأن يجد الكم الكثير مما سطره المؤرخون والباحثون ، مما يلزمنا في عجالتنا هذه بتوخي الإيجاز . ما أمكن .

وعليه …. فإننا سنكتفي بتسليط الضوء صوب بعض النقاط المختلفة .

وبداية يجب أن نلتفت معا إلى  أن أحداث الهجرة وقعت في ما بين أواخر شهر صفر ومنتصف شهر ربيع الأول من عام الهجرة ، ومع ذلك فقد اعتبر شهر المحرم الذي وقعت في عامه ، هو بداية التقويم الإسلامي (الهجري) ، ومن ثم فإن الاحتفال الإسلامي بهذه الذكرى الخالدة يتجدد في شهر المحرم من كل عام . باعتباره أول الشهور العربية الإسلامية .

ومن الطريف في ذلك ما ذكره المقريزي في خططه من أنه لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى  المدينة ، كانت نوبة النسيء بلغت شعبان ، فسمي محرما ، وشهر رمضان صفرا .

ويجدر بالذكر أن المسلمين من بعد الهجرة النبوية طيلة عشر سنوات كانوا يؤرخون بالإشارة إلى  الأحداث العظيمة ، على النحو التالي :

قال أبو الريحان البيروني في ( الآثار الباقية ) :

كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سموا كل سنة ، ما بين الهجرة والوفاة ، باسم مخصوص بها ، مشتق مما اتفق فيها له صلى الله عليه وسلم .

ففي الأولى من بعد الهجرة : سنة الإذن … والثانية : سنة الأمر بالقتال … والثالثة : سنة التمحيص … والرابعة : سنة الترفئة … والخامسة : سنة الزلزال … والسادسة : سنة الإستئناس … والسابعة : سنة الإستغلاب… والثامنة : سنة الإستواء … والتاسعة : سنة البراءة … والعاشرة : سنة الوداع . فكانوا يستغنون بذكرها عن عددها من لدن الهجرة . آ هـ

ولذلك قال سهل بن سعد في التاريخ بالهجرة :

ما عدوا من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولا من وفاته .. ما عدوا إلا من مقدمة المدينة . آهـ

وقد نسب التاريخ الإسلامي بالهجرة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه ، و أفاد السهيلي رحمه الله في ( الروض الأنف ) أن الصحابة رضي الله عنهم أخذوا التاريخ بالهجرة من قوله تعالى : { لمسجد أسس على التقوى من أول يوم } ، لأنه من المعلوم أنه ليس أول الأيام مطلقاً ، فتعين أنه أضيف إلى شيء مضمر ، و هو أول الزمن الذي عز فيه الإسلام ، و عبد فيه النبي صلى الله عليه وسلم ربه آمناً ، و ابتداء المسجد ، فوافق رأي الصحابة ابتداء التاريخ من ذلك اليوم .

و قد أبدى بعضهم للبدء بالتاريخ بالهجرة مناسبة فقال :

كانت القضايا التي اتفقت له و يمكن أن يؤرخ بها أربعة : مولده ومبعثه و هجرته و وفاته ، فرجح عندهم جعلها من الهجرة ، لأن المولد والمبعث لا يخلو واحد منهما من النزاع في تعيين السنة ، وأما وقت الوفاة فأعرضوا عنه لما توقع بذكره من الأسف عليه ، فانحصر في الهجرة ، وإنما أخروه من ربيع الأول إلى المحرم لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم ، إذ البيعة وقعت في أثناء ذي الحجة وهي مقدمة الهجرة ، (بيعة العقبة الكبرى كانت في ذي الحجة من العام الثالث عشر للبعثة ) ، فكان أول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هو هلال المحرم ، فناسب أن يجعل مبتدأ ، و هذا من أقوى ما يوقف عليه بصدد مناسبة الابتداء بالمحرم .

أما عن إرهاصات الهجرة النبوية المباركة ، فقد يظن البعض أنها بدأت قبيل وقوع أحداثها مباشرة ( مما سنعرض له في حينه بمشيئة الله تعالي ) ، إلا أن التحقيق التاريخي يقول إن إرهاصاتها بدأت مع بداية الرسالة المحمدية ، أي من ( اقرأ ) ، وذلك بقول ورقة بن نوفل الأسدي رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم : يا ليتني فيها جذع ، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك . فقال النبي صلي الله عليه وسلم : أو مخرجيّ هم ؟ قال : نعم . لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا .

واما عن أبطالها رضوان الله عليهم ، فقد صارت أسماؤهم تاجا يتلألأ نورا على غرة التاريخ في دنيا الناس .

ابو بكر الصديق ، علي بن أبي طالب ، عبد الله بن أبي بكر ، عامر بن فهيرة ، أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم وأرضاهم .

وقد ورد أن الصديق رضي الله عنه وأرضاه كان قد أزمع الهجرة إلي الحبشة يوما ، وخرج فعلا حتي وصل إلي برك الغماد ( قيل هو موضع وراء مكة بخمس ليال ) فلقيه مالك ابن الدغنة ( سيد الأحابيش ) ، فكلمه وأقنعه بالعدول عن ترك مكة وأعاده إليها ، وأدخله في جواره .

ثم يهم الصديق بالهجرة مرة أخرى ويتجهز لذلك ، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له : "على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي "

فيقول الصديق : وترجو ذلك بأبي أنت وأمي ؟ فيقول النبي صلي الله عليه وسلم : " نعم " .

وحينئذ يحبس الصديق نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحبته ، ويبدأ في الإعداد والاستعداد لهذا الحدث العظيم ،، حتى إن بعض علماء الإسلام المحققين رحمهم الله تعالى قالوا :

كان الصديق رضي الله عنه وأرضاه مهندس رحلة الهجرة النبوية ،

إذ اشترى راحلتين ( إحداهما القصواء ) من نعم بني قشير الشهيرة بثمانمائة درهم ، وأمر بعلفهما حتى يأذن الله تعالى .

وفى هذا يقول الشيخ محمد أحمد بدوي رحمه الله ،، صاحب [ كفاية المسلم في الجمع بين صحيحي البخاري ومسلم ]:

وعلف هاتين الراحلتين ورق السمر ( وهو الخبط ) أربعة أشهر . آهــ .

وتتوالى الأحداث في مكة ، ويجتمع صناديد قريش في دار الندوة في يوم كان يسمى ( يوم الرحمة ) كما ذكر ابن عباس رضي الله عنهما فيما ذكره ابن هشام في السيرة النبوية ، نقلا عن ابن اسحق ، ويتفقون على أن يترصدوا لقتله صلى الله عليه وسلم أمام منزله .

وفي هذا صرح الإمام الحافظ ابن القيم رحمه الله في ( زاد المعاد ) بعددهم وبأسمائهم على سبيل الحصر ، مؤكدا على أنهم كلهم قرشيون …

المتربصون ليلة الهجرة :

1. ابو جهل …. من بني مخزوم .

2. ابو لهب …. من بني هاشم .

3. عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية .

4. الحكم بن أبي العاص …. من بني أمية .

5. النضر بن الحارث …. من بني عبد الدار بن قصي .

6. زمعة بن الأسود …. من بني أسد .

7. أمية بن خلف …. من بني جمح .

8. أبي بن خلف …. من بني جمح .

9. طعيمة بن عدي …. من بني نوفل بن عبد مناف .

10. نبيه بن الحجاج …. من بني سهم .

11. منبه بن الحجاج …. من بني سهم .

قال : واجتمع أولئك النفر من قريش يتطلعون من صير الباب ويرصدونه ويريدون بياته ويأتمرون أيهم يكون أشقاها . آهـ

قال ابن اسحق : فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه .

ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه :

" نم على فراشي ، وتسج ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه ، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم ".آهـ

ثم أمره أن يؤدي عنه الودائع التي عنده للناس .

وهنا.. لا يمكننا أن نسترسل قبل أن نتوقف ونتأمل ونتدبر .. يعادونه .. ويأتمر أشرافهم على قتله .. ومع ذلك  لا يجدون سواه ،، أميناً صادقاً يأتمنونه على ودائعهم !!! .

وفي المقابل .. هو صلى الله عليه وسلم يترك لهم الجمل بما حمل ( يخرج من مكة مهاجرا ) ،،

وفي الاستطاعة أخذ كل الودائع عوضا عن ما يترك في مكة ،ولكنه لم يفعل ، بل وما ينبغي له أن يفعل ، والسبب في الحالين أنه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين ، المبعوث رحمة للعالمين ، المتمم لمكارم الأخلاق ، صلوات ربنا وسلامه عليه .

ويخرج من بيته مخترقا تجمعهم وترصدهم وهو يتلو صدر سورة " يس " ، ويذهب إلي حيث يريد وهم لا يشعرون .

كان خروجه صلى الله عليه وسلم من بيته لثلاث بقين من شهر صفر .

ثم … يذهب إلى بيت الصديق … ومنه يخرجا معا مساء يوم الخميس أي (ليلة الجمعة ) إلى حيث غار ثور ، حيث يقع جنوبي مكة بحوالي 10 كيلو متر . ويكون الوصول إليه قبيل فجر الجمعة ، وهناك يمكثان إلى ليلة الاثنين .

وفي هذه المدة تجري أحداث كثيرة ، يطيب لنا أن نشير إليها وإلى أبطالها :

** عبد الله بن أبي بكر :

[ شقيق أسماء بنت أبي بكر أمهما قتيلة بنت عبد العزى من بني عامر بن لؤي القرشية ] ، غلام شاب ثقف لقن ، يدلج من عندهما بسحر ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت ، فلا يسمع أمرا يكتادان به إلا وعاه ، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام .

وقد ذكره صاحب ( در السحابة في بيان مواضع وفيات الصحابة ) بأنه شهد الطائف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرمي بسهم فجرحه ، فاندمل جرحه ، ثم انتفض به فمات في مكة من أول خلافة أبيه .

** أسماء بنت أبي بكر :

هي أكبر ولد أبي بكر ، أسلمت بعد 17 نفساً ، روت تقول :

صنعت سفرة للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حين أرادا المدينة ، فقلت لأبي : ما أجد شيئا أربطه إلا نطاقي ، قال : فشقيه ، ففعلت ، فسميت ذات النطاقين .

وتحدثنا كتب السيرة أنه لما طاش صواب المشركين بحثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه ، ذهب نفر منهم إلى بيت أبي بكر وكان فيهم أبو جهل ، وسألوا عن أبي بكر ، فأجابتهم أسماء قائلة :لا أدري ، فلطمها أبو جهل لطمة منكرة طرح منها قرطها .

وحين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر احتمل أبو بكر ماله كله معه ( 5آلاف أو 6 آلاف درهما ) فدخل أبو قحافة رضي الله عنه ــ وقد كف وذهب بصره ــ عل أحفاده يتقصي حالهم ، وإذا بأسماء تطمئنه بأن أباها ترك لهم ما يكفيهم. .

ثم إنها كانت حبلى في عبد الله ، ومع أنها كانت في أيامها الأخيرة من الحمل ، إلا أنها كانت تحمل الطعام وتذهب إليهما به ، فتصعد الجبل الشاهق ، ضاربة بذلك أروع الأمثلة والنماذج في الإيمان والإخلاص والصبر وتحمل المشاق .

ثم إنها هاجرت إلى المدينة وهي حامل متم ، فوضعت عبد الله بن الزبير بقباء ، فكان أول مولود للمهاجرين فى المدينة .

(النعمان بن بشير الأنصاري رضي الله عنه هو أول مولود من الأنصار من بعد الهجرة ) .

وقد عاشت ذات النطاقين رضي الله عنها إلى أن ولي ابنها عبد الله بن الزبير الخلافة ، ثم قتل ، فماتت بعده بقليل ، مكفوفة البصر ، عجوزا طوافة ، عمرها 100 عام لتكون آخر المهاجرين والمهاجرات وفاة . ( توفيت في مكة في سنة 73 هـ ) .

** عامر بن فهيرة ( أبو عمر ) :

مولى أبي بكر الصديق ، كان من السابقين للإسلام ، وكان قارئاً كاتباً ، ذكره ابن القيم في ( زاد المعاد ) ضمن كتّاب النبي صلي الله عليه وسلم ، كما ذكره ابن الجوزي في ( صفة الصفوة ) ضمن من شهد غزوتي بدر وأحد ، وقتل شهيدا يوم بئر معونة سنة 4 هـ ، وهو ابن 40 سنة .

كان دوره في ليالي الغار أن يرعى منحة من غنم ، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء ، فيبيتان في رسل ، وهو لبن منحتهما حتى ينعق عامر بغلس ، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث .

وفي الطريق إلى يثرب ( المدينة المنورة بنور رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يردفه الصديق خلفه ، مصاحبا لهما . …

وفي أثناء الرحلة الميمونة المباركة يأمره النبي صلي الله عليه وسلم أن يكتب كتاب أمن لسراقة بن مالك حين لحق بالركب المبارك ، فكتب .

** سراقة بن مالك الجعشمي الكناني المدلجي أبو سفيان :

لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ، يرجو أن يرده إلى قريش ،، فيقبض الجائزة (مائة ناقة ) ، ويدعو النبي صلي الله عليه وسلم قائلا : " اللهم أكفيناه بما شئت " ويتحقق الدعاء فورا ….. فيعتدل ميزان سراقة فى الحال ، فبعد أن كان أول النهار جاهدا عليهما ، يصبح في آخره حارسا ومسلحة لهما ، إذ يرجع ، فلا يلقي رضي الله عنه أحدا من الطلب إلا رده ، وقد وعده النبي صلى الله عليه وسلم في نبوءة نبوية محققة أن يلبس سواري كسرى أنو شروان ، إذ تحقق ذلك بعد فتح المدائن ( عاصمة الفرس ) في عهد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ,كان سراقة وقتئذ قد كف بصره ، أتى يقوده غلامه إلى حيث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فيلبسه سواري كسري . كما وعده الصادق المعصوم صلوات ربنا وسلامه عليه .

** عبد الله بن أريقط الدئلي الليثي :

وصفته السيدة عائشة رضي الله عنها بأنه كان هادياً خريتاً ( أي ماهراً بالهداية ) استأجراه دليلاً لهما في رحلتهما ، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ، فأتاهما في الموعد ، لتبدأ الرحلة الخالدة الميمونة المباركة ،ثم إنه سلك بهم طريق الساحل غير المطروق .. ( حوالي 200 ميل ) ، وقد وصف محطات هذا الطريق الوصف الدقيق الأستاذ الدكتور حسين مؤنس في كتابه القيم الماتع ( أطلس تاريخ الإسلام ) ، وذكر فيه أن وصول ركب الهجرة المبارك إلى قباء كان في يوم الاثنين 12 ربيع الأول عام 1 هـ ،، الموافق 24 سبتمبر عام 622 م ، ويجدر بالذكر أن عبد الله بن أريقط كان مشركا آنذاك ، ومع أن أغلب كتب السيرة سكتت عن ذكر إسلامه من عدمه ، إلا أن صاحب (تحفة الألباب في شرح الأنساب ) ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه : " هو أمين " .

والأمانة إحدى صفات المؤمن ، ثم كيف لرجل أمين يخالط النبي صلى الله عليه وسلم أياماً معدودات ، تكتنفها ظروف هذا السفر المشترك صعوبة وخطورة ، بما تحيط به من مصاعب ومخاوف ، ومع ذلك لا يسلم ؟ !!

إنه لأمر مستبعد ، خاصة وأن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر بعد وصولهما قباء سالمين أرسلا عبد الله هذا ، مع أبي رافع وزيد بن حارثة إلى مكة ، ليأتوا بأهليهما منها [ فاطمة وأم كلثوم وسودة بنت زمعة وأسماء وعائشة وأم رومان وأم أيمن وأسامة بن زيد ] . على ما ذكره ابن سعد في طبقاته الكبرى .

وفي قباء ،، لحق بهما علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، بعد أن أدى عن النبي صلي الله عليه وسلم ما كان للناس عنده من ودائع وأمانات .

{ وقفة للتأمل  :

لنعد قراءة هذه الجملة الآنفة :

وفي قباء لحق بهما علي بن أبي طالب ، بعد أن أدى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان للناس عنده من ودائع وأمانات .

نعم .. كما قلنا آنفا : كان القرشيون يعادونه صلوات الله وسلامه عليه ، إلى أبعد حدود العداء ،،، ومع ذلك لايجدون أأمن من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أماناتهم وودائعهم ،، فيضعونها عنده .، وقد كان الظن بمقاييس البشر في دنيا الناس ، أن يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجراً ومعه هذه الودائع ، انتقاماً من قريش ، أو عوضاً عما تركه لهم في مكة المكرمة ، أو ،، أو ،، الخ ،،

فإن لم يستطع ، فليقم بذلك علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الفترة التالية لهجرته صلى الله عليه وسلم ، ولكن ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليفعل هذا مطلقاً ، فهو الصادق الأمين ، وهو المتمم لمكارم الأخلاق ، والأمانة إحدى مكارم الأخلاق ، إنه رسول رب العالمين صلوات الله وسلامه عليه } .

 ونزل النبي صلى الله عليه وسلم في قباء في بني عمرو بن عوف ومكث مدة أربع عشرة ليلة ،، حتى صبيحة يوم الجمعة ثم غادرها إلى المدينة ، وفي الطريق أدركته صلاة الجمعة فصلاها ، يقول ابن الأثير في كتابه ( النهاية في غريب الحديث ) عن هذه الجمعة :

إن أول جمعة جمعت في الإسلام بالمدينة في هزم بني بياضة ( مكان متطامن من الأرض ) . آهـ

ثم واصل سيره صلى الله عليه وسلم راكباً على القصواء ، ليصل إلى المدينة المنورة بنوره في مساء هذا اليوم ( الجمعة ) ، ولا يخفاك أن كل بيت من بيوت الأوس والخزرج كان يستشرف لنزوله صلى الله عليه وسلم عندهم ، فيمسكون بزمام القصواء يعرضون عليه ذلك ، فيجيبهم بالأدب النبوي السامي الأنموذجي قائلا : " دعوها فإنها مأمورة "

حتى وصلت إلى حيث بركت ، وصار هو المنزل ( ذلك الذي نراه اليوم المسجد النبوي بما فيه من مقصورته الشريفة صلوات الله وسلامه عليه ) حيث شرع في تأسيسه وبنائه مشاركا في ذلك بنفسه ( استغرق بناء المسجد اثنى عشر يوماً) على أنه صلى الله عليه وسلم عقب هجرته مباشرة طلب إحصاءً بعدة المسلمين في المدينة ، فأحصوا ،،، فكانوا ألفا وخمسمائة على ما رواه الشيخان البخاري ومسلم .

وفي المدينة كما يقول ابن اسحق فيما نقله عنه ابن هشام أنه صلى الله عليه وسلم كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود ، وعاهدهم ، وأقرهم على دينهم وأموالهم ، وشرط لهم واشترط عليهم .

كما قرر مبدأ المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في المدينة في أسلوب من الأساليب الاجتماعية النبوية المحكمة التي لم يكن لها مثيل من لدن آدم إلى الآن ، وإلى أن تقوم الساعة .

ومن جدير ما يذكر بصدد الهجرة :

** أنها كانت من أوسمة المسلمين الأول ، إذ كان يقال للواحد منهم هاجر الهجرتين ، وصلى إلى القبلتين .

وقد ورد الحديث :

" ثلاث من الكبائر .. منها التعرب بعد الهجرة ( وهو أن يعود إلى البادية ويقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجرا ) .

** أول المهاجرين :

هو أبو سلمة بن عبد الأسد . رضي الله عنه كان قد هاجر إلى المدينة قبل بيعة العقبة الكبرى بسنة ، ذلك أنه كان قد قدم من الحبشة إلى مكة ، فآذته قريش ، وبلغه أن جماعة من الأنصار قد أسلموا ، فهاجر إلى المدينة ، فكان أول المهاجرين إليها . على ما ذكره الحافظ الذهبي في كتابه ( تاريخ الإسلام ) .

** آخر المهاجرين :

العباس بن عبد المطلب ، رضي الله عنه - تأخر في إعلان إسلامه ، حتى إذا رحل إلى المدينة مُهاجراً ، لقي النبي صلى الله عليه وسلم قادماً منها في طريقه إلى فتح مكة ، فلما أخبره أنه جاء إليه مهاجراً ، أمره أن يرسل رحله إلى المدينة ، ويرجع معه لفتح مكة قائلا له :

" أنت آخر المهاجرين ، وأنا آخر الأنبياء " على ما ذكره صاحب ( الكامل في التاريخ ).

ومنذئذ ،،، حيث لا هجرة بعد الفتح ، أصبح العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه آخر المهاجرين .

** من توافق الأقدار أن قريشاً في مكة لم تؤد إتاوة قط إلى أحد من الملوك ،، ومنها هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى يثرب ( المدينة المنورة ) ،،، حيث الأوس والخزرج ( الأنصار) ، وهم أيضاً لم يؤدوا إتاوة قط إلى أحد من الملوك . فسبحان مقدر الأقدار .

ومن خلاصة القول في الهجرة النبوية المباركة ما سطره الشيخ أبو الوفا المراغي الجرجاوي رحمه الله تعالى في كتابه ( من رياض السيرة العطرة ) ،، إذ كتب :

ومن الغريب أن أعداء الدعوة الإسلامية حاولوا أن يلتمسوا من أعمال النبي صلي الله عليه وسلم مغامز يشوهون بها جمالها وجلالها ، ويلبسون الحق فيها بالباطل إلا حادث الهجرة ..

فما قرأنا لمعاند أو زائغ حديثا فيه ، ولا ناله بالسوء منهم قلم أو لسان .. ولعل ذلك لأن هذا الحادث كان كله مشقات وتضحيات ، لا سبيل فيه لاحتمال الشهوة والغرض مكان .. آهـ

 نعم ،، كانت الهجرة النبوية المباركة للحق ، وفي سبيل الحق ، ولهذا فهي جديرة بجميل الذكر وشرف الخلود .

 صلاح جاد سلام

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 170341