خصائص الفن الإسلامي

روضة الدعاة › دعوة ودعاة 2016-01-20 عدد القراءات: 535

الفن..

ذلكم هو الميدان الثالث من ميادين الجمال، الذي اعتبره علماء الجمال الميدان الوحيد لعلمهم، ولهذا حصل الخلط في حديثهم - في كثير من الأحيان - بين الفن والجمال.

ونحن في هذا الباب سنتحدث عن الفن الإسلامي من حيث خصائصه ومميزاته، ثم نتحدث عن فن التصوير الإسلامي، وعن عطاءات فن الرسم الإسلامي.. ثم ننتقل بعدها للحديث عن فن المعمار الإسلامي.

وكان بودنا أن نتحدث عن الفن حديثاً مفصلاً، نتناول فيه الحديث عن الفنان وعن الفنون.. في دراسة مقارنة، كما فعلنا في البابين السابقين ولكن هذا يخرج بنا عن حدود هذه الدراسة، إذ هي دراسة جمالية.

وإذا فاتنا هذا الأمر هنا، فإنا نأمل أن ييسر الله استكمال ذلك في وقت قريب، ضمن بحث خاص عن الفن الإسلامي.

تعريف "الفن" بشكل عام، ليس أمراً ميسراً، وذلك لأسباب كثيرة، منها: عدم الاتفاق على مضمون هذه الكلمة، ومنها كذلك عدم تحديد مهمة الفن وغايته وبواعثه.. كل هذا أدّى إلى وجود تعريفات كثيرة..

ذلك شأن الفن في المدارس الغربية.

وتعريف "الفن الإسلامي" ليس أمراً ميسوراً كذلك. وترجع صعوبة ذلك إلى عامل آخر - كما أعتقد - هو كثرة العناصر التي ينبغي مراعاتها عند صياغة هذا التعريف.

ولكنا نقول ليس "التعريف" هو الوسيلة الوحيدة للتعريف بالشيء، فيمكن التعريف به عن طريق تعداد الخصائص والمميزات... وإذا كان الأمر كذلك. فإنا نجمل أهم خصائص الفن الإسلامي بما يلي:

خصائص الفن الإسلامي:

1) يقوم هذا الفن على أساس من عقيدة التوحيد، وعلى تصور شامل للإنسان والكون والحياة، ولذا فلا مجال فيه للباطل من الوثنيات والخرافات والأوهام والأساطير[1].

2) ميدان الفن الإسلامي هو مجال "التحسينات" وهو يأتي بعد "الضروريات" وبعد "الحاجيات"[2].

وهذا التحديد لمكانة الفن ضروري ومهم حتى توضع الأمور في نصابها، وحتى لا يحصل خلل في التصور[3].

3) إن وظيفة الفن هي صنع "الجمال" وحين يبتعد الفن عن أداء هذه الوظيفة، فإنه حينئذ لا يسمى "فناً" - ذلك أنه تخلى عن عمله الأصيل - وقد نسميه "مهارة" أو "دقة"...

يقول الأستاذ محمد قطب:

"والفنان الإسلامي موكل "بالجمال".. يتتبعه في كل شيء، وكل معنى في هذا الوجود.

الجمال بمعناه الواسع الذي لا يقف عند حدود الحس، ولا ينحصر في قالب محدود.

جمال الكون بنجومه وشموسه وأقماره وما بينها من تجاذب وارتباط.

وجمال الطبيعة بما فيها من جبال وأنهار وأضواء وظلال وجوامد وأحياء.

وجمال المشاعر بما فيها من حب وخير وطلاقة وارتفاع.

وجمال القيم والأوضاع والنظم والأفكار والمبادئ والتنظيمات.

 

كل ذلك ألوان من الجمال يحتفي بها الفن الإسلامي، ويجعلها مادة أصيلة للتعبير.

بل هو يعرض الحياة كلها من خلال المعايير الجمالية، سواء بالسلب أو الإيجاب"[4].

4) والفن في التصور الإسلامي "وسيلة" لا غاية، والوسيلة تشرف بشرف الغاية التي تؤدي إليها، ولذا فليس الفن للفن، وإنما الفن في خدمة الحق والفضيلة والعدالة.. وفي سبيل الخير والجمال.

5) وللفن في التصور الإسلامي "غاية وهدف" إذ كل أمر يخلو من ذلك فهو عبث وباطل، والفن الإسلامي فوق العبث والباطل، فحياة الإنسان ووقته أثمن من أن يكون للعبث الذي لا طائل تحته.

6) إن الغاية التي يهدف الفن الإسلامي إلى تحقيقها، هي إيصال الجمال إلى حسِّ المشاهد (المتلقي) وهي ارتقاء به نحو الأسمى والأعلى والأحسن.. أي نحو الأجمل، فهي اتجاه نحو السمو في المشاعر والتطبيق والإنتاج، ورفض للهبوط.

7) وكما أن للفن هدفاً يسعى إليه، فإن له أيضاً "باعثاً" يدفع إليه، هذا الباعث يغذيه جذران. جذر يمتد في أعماق النفس، إذ من فطرة النفس البشرية السعي إلى الجمال..، وجذر آخر يغذيه المنهج الإسلامي الذي يهدف إلى الجمال.. وهكذا يلتقي ما تصبو إليه النفس مع ما يطلبه المنهج.. فإذا الإنسان مدفوع إلى تحقيق الجمال بفنه بباعث من رغبة النفس وباعث من أمر الشرع بإتقان العمل وإحسانه.

8) وللفن شخصيته المستقلة، فليس هو فرعاً من الفلسفة، أو فرعاً من فروع العلم - وإن كان العلم هو بعض ما يحتاجه الفنان - ولذا فليس من مهمات الفن البحث عن "الحقيقة" أو الكشف عنها. وحينما يطلب إليه ذلك فقد حمل ما لا طاقه له به، قد يحدث أن يكون الفن في بعض الأحيان طريقاً لاكتشاف حقيقة ما، ولكن هذا ليس مهمة دائمة يكلف بها؟!

إن الذين جعلوا اكتشاف الحقيقة من أغراض الفن، دفعهم إلى ذلك تصورهم الخاطئ عن تحديد مكانة الفن ومهمته.

9) والفن الإسلامي ينبع من داخل النفس، فتجيش به العواطف والأحاسيس، فإذا به ملء السمع والبصر، وهو بهذا تعبير عن التزام وليس صدى لإلزام قهري أو أدبي.

 

10) بيّنا في فصل العموم والشمول[5] أن ساحة المال هي الوجود كله، وأن الإسلام أوصل الجمال إلى مجالات لم تعرفه من قبل، ونؤكد هنا أن ساحة الجمال نفسها هي ساحة الفن، وهي ساحة لا تضيقها الحدود، ولا تحصرها الحواجز، ذلك أنها ساحة منهج التصور الإسلامي.

11) والفن الإسلامي - بعد ذلك - لقاء كامل بين إبداع الموهبة ونتاج العبقرية وبين دقة الصنعة ومهارة التنفيذ وحسن الإخراج. إنه اجتماع بين الذكاء المتقد وبين الخبرة والإتقان، وبهذا يصل الفن إلى ذروة الجمال.. إن أحد العنصرين - الموهبة والخبرة - قد يصل بنا إلى إنتاج فني، ولكنهما معاً يصلان بنا إلى جمال فني.

تلك هي الأسس العامة التي يرتكز عليها "الفن الإسلامي"، بكل فروعه، وهذا لا يمنع أن يكون لكل نوع منه أسسه الخاصة به، إضافة إلى ذلك.

هذه الأسس هي التي جعلت منه فناً متميزاً له شخصيته المستقلة وكيانه الذاتي.

وقد اقتصرنا على ذكرها، دون الإتيان بالشواهد والأمثلة، ذلك أن مكانها عند تفصيل البحث عن كل فن على حدة.

 

[1] من المؤسف أن هذه القضية ليست واضحة لدى بعض من يكتبون عن الفن باللغة العربية. وذلك يرجع إلى تأثرهم بالفكر الغربي الوثني، ولذا فهم يعدون الفن الوثني الإغريقي هو المورد الذي ينبغي لكل فنان أن يصدر عنه، وإلا فلن يكون فناناً.؟!

[2] انظر ما قلنا عن الجمال في (الظاهرة الجمالية في الإسلام) ص 122، فهو ينطبق على الفن هنا. إذ ليست وظيفة الفن إلا صنع الجمال، والوسيلة - في المنهج الإسلامي - تعطى درجة غايتها، فما أدى إلى واجب فهو واجب، وما أدى إلى مندوب فهو مندوب.

[3] إن ما قرره المنهج في هذه القضية، هو ما يقرره واقع الحياة من خلال فطرة الإنسان، وهذا ما ذكره ابن خلدون مقرراً الواقع حين قال:

"وإذا زخر بحر العمران حصلت فيه الكمالات، وكان من جملتها التأنق في المصانع واستجادتها، فكملت بجميع متمماتها، وتزايدت صنائع أخرى معها مما تدعو إليه عوائد الترف وأحواله" [المقدمة ص 401].

هذا ولم يتفق الفلاسفة وعلماء الجمال على هذا الأمر.

فقد ذهب بعضهم إلى ما قرر الإسلام من قبل في هذه النقطة. ومنهم "هيغل" الذي يرى أن الأشكال الفنية، على أهميتها، ليست لها إلا صلة واهية بالأهداف الحقيقية للحياة [المدخل إلى علم الجمال، هيغل ص 26].

ويقول "سانتايانا" إن النشاط الفني لا يتجلى على حقيقته إلا حينما تختفي مطالب الحياة الملحة، وضروروات التكيف العاجلة.. [فلسفة الفن. زكريا ابراهيم ص 72].

أما "كاسيرر" فيرى في الفن ما هو أعظم من ذلك، فهو بالإضافة إلى أنه ينظم إدراكنا، فهو أيضاً ليس ترفاً، إنه - كما يقول - اتجاه خاص أو توجيه جديد لأفكارنا وخيالنا ومشاعرنا. [المصدر السابق ص 303].

[4] منهج الفن الإسلامي ص 202.

[5] هو الفصل الرابع من الباب الثاني من كتاب (الظاهرة الجمالية في الإسلام) وانظر أيضاً الفصل السابع منه.

 
هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 170553