التمكين.. سنة الله في الأولين

مقالات وآراء › تربوية 2016-09-06 عدد القراءات: 136

بقلم: آفاق

من هناك.. من بين جنبات ذلك الفضاء الرحب اختارك الله تبارك وتعالى، وأعلم ملائكته أنه جاعلك في رحاب أرضه خليفة ليرتقي بك إلى الأمانة الربانية العظيمة، فكان أبوك آدم عليه السلام هو الممثل لك لتحمل الأمانة من بعده.

وقبع آدم ونحن من بعده في ساحة المعركة الشاملة، تلك المعركة التي أشفقت منها كل المخلوقات الربانية وكان لها الإنسان، قال الله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إنه كان ظلوماً جهولاً} [الأحزاب:72].

لقد هذّب الله تبارك وتعالى ذواتنا وألبسها حلة الاستخلاف العظيم ليوكل إلينا بها مهاماً جليلةً أولها إعلاء كلمة لا إله إلا الله فهي منوطة بنا في كل عصر ومصر. ويعتبر الاستخلاف بمفهومه الرحب كما عبّر عنه د. أحمد خيري العمري في كتابه “سيرة خليفة قادم”: "هو الإسهام في وضع قواعد القيم المؤسِسَة للحضارة الإسلامية، وهو مفهوم عام تتكون فيه شخصياتنا وتصبغ به كل حياتنا بكل مفرداتها وتفاصيلها من ألفها إلى يائها".

وأقول أنه حيّز يمكننا من خلاله رؤية الأشياء في حالتها الحقيقية، فنراها بعين التجرد بل وأعمق ابتداءً من تفاعلنا مع البيئة المادية البسيطة المحيطة بنا كالشارع، وانتهاءً بعلاقاتنا المعقدة مع ذواتنا ومع الآخرين.

أما بعد مفهوم الاستخلاف فإننا نمر بدائرة أعمق وأدق، تسمى دائرة التمكين وهي السنة الربانية العظيمة التي منحها الله تبارك وتعالى لعباده الصالحين في الأرض {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج:41]. وقد قرن الله تبارك وتعالى مفهوم التمكين بمفهوم الطاعات والقرب منه جلّ وعلا، لا بمفهوم القوة وحسب كما اعتدنا على سرده في هذه الأيام.

فالمحللون و الخبراء يضربون المثال بالقوة "الصهيوأمريكية" مستندين بذلك إلى حجم الإنجازات المادية والعسكرية التي تتحقق في ظل تلك الحركات الاستعمارية الغاشمة. وهنا تجدر الإشارة إلى أننا لا نغفل عن أهمية القوة الاستعدادية لمواجهة أي اعتداء ينصب على أمتنا أو على ذواتنا، قال الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ..} [الأنفال:60].

يقول اللغويون أنه تم تنكير كلمة (قوة) لتفيد الشمول، أي ليخبرنا الله تبارك وتعالى بأهمية تعدد أوجه القوة كالقوة التنظيمية والتخطيطية والقوة الترتيبية وقوة جمع المعلومات وكفاءتها..

ومن هذه العبارة العظيمة ألتفت إلى قصة قرآنية ثمينة ذكرها الله عز وجل في أوائل السور لتكون قنديلاً نستنير به في الغوص في لجج سنة التمكين العظيمة، وهذه القصة هي قصة نبي الله داوود مع جالوت، ومن خلال قراءتي النفسية لهذه القصة وجدت فيها بحوراً من الإرشادات العميقة لمفهومي التمكين والاستخلاف:

1) لقد أدرك النبي داوود نقاط ضعفه وقوته، كذلك أدرك نقاط قوة خصمه وضعفها، وعمد إلى التوكل على الله في تلاشي نقاط ضعفه وتجنبه الوقوع بها حتى لا تكون نقطةً مفصليةً تحتسب عليه لا له.

2) رفض نبي الله داوود الاقتراب من ساحة جالوت لمنازلته بسلاحه الذي اختاره، وهو كما تقول التفاسير أنه الدرع، وإنما قاتله بسلاحه الذي تمرس عليه جيدا حتى أصبح ماهراً في استخدامه، وبذلك يكون نبينا الكريم قد تفوق عسكرياً على عدوه جالوت.

اللافت أن هنالك كاتب نفسي مختص بمفهومي القوة والضعف النفسي يدعى "الكوم جلادويل" يقول في آخر كتاب صدر له بعنوان (الضعفاء والمهمشون وفن مقاتلة العمالقة): إن قراءتنا الخاطئة جعلتنا نغفل عن دروس هامة في هذه القصة العظيمة.

إن المواقف العصيبة التي تمرّ بها أمتنا اليوم تسقي في ذواتنا مفهوم التمكين وتجذره في نفوسنا أكثر وأكثر، بل وترشدنا إلى السبل السليمة التي لابد وأن نتبعها، فالصحوة الرشيدة التي تقتحم عقول شبابنا وبناتنا ينبثق عنها اتحاد عام لكافة أشكال القوة التي لابد وأن تتوافر سواء كانت هذه القوة مادية أم روحية، فتلاحم تلك القوى وتكاتفها يدل على أنه سيكون لأمتنا أمر رشد. وأظن أن العقول الشابة الخصبة نجحت وستنجح في مواجهة تلك الأزمات التي تمر بها أمتنا بالرغم من تلون أنواعها، فطبيعة التيار الفكري السائد ينسجم مع روح المطالبة الشعبية الموحدة في كل البلاد، سواءً أكانت تيارات إسلامية أم غيرها، فالحقوق والمظالم لدى جميع الشعوب واحدة.

إن التمكين مصطلح فضفاض يعتمد على مفهومي القوة والضعف، وهذه المفاهيم ليس لها تفسير ثابت بل هي مفاهيم مرنة ومتغيرة بحسب الموقف الذي تؤول لأجله، وكما يقول الدكتور وليد فتحي: "وقد يكون في الضعف سر القوة، وفي القوة نقطة الضعف".

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 162522