تأملات في دعاء يوم عرفة

مقالات وآراء › تربوية 2016-09-06 عدد القراءات: 136

بقلم: آفاق

أي زاد نحمله معنا لتلك الأيام العشر المباركات؟.. أي عمل ندّخره لأفضل أيام الدنيا وأعظمها؟

ليس لنا أن ننشغل كثيراً بذلك، ورسولنا صلى الله عليه وسلم ما ترك شاردة ولا واردة إلا أبانها وأوضحها لنا، وتركنا على محجّة بيضاء كفلق الصبح. ولأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، ولأنه قد أوتي جوامع الكلم، فإن كلّ ما وصلنا صحيحاً عنه هو بمثابة كنز عظيم ينفعنا في ديننا ودنيانا، في أولانا وأخرانا، بل ويتعدى نفعه دوائر الزمان والمكان ولا تكاد تحيط بعجائبه العقول والأفهام.

إنه يرشدنا ويدلنا ضمن فقه الأولويات، وانتقاء الحسن والأحسن منه، إلى أدعية مخصصة للأزمان الفاضلة والأعمال الصالحة، ومن ذلك ما خصّ به يوم عرفة فقال صلى الله عليه وسلم: (خيرُ الدعاءِ دعاءُ يومِ عرفةَ، وخيرُ ما قلتُ أنا والنَّبِيُّونَ من قَبْلِي: لا إله إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ، وله الحَمْدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ). صحيح الترمذي للألباني، 3585، خلاصة حكم المحدث: حسن.

ولنا مع هذا الدعاء وقفات. فقوله خير الدعاء فذلك لأنه يحوي كلمة التوحيد الخالص لله تعالى ملحقة بالثناء عليه وحمده سبحانه وتعالى، وهي وحدها لا يعدلها شيء. إنها العهد والميثاق الذي أخذه الله تعالى على عباده فقال: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) 172-الأعراف.

ووقفة مع قوله صلى الله عليه وسلم (أنا والنبيون من قبلي) فإن نبي الله آدم هو أولهم وهو الوارد في الآية السابقة وهو أول من صدح بكلمة التوحيد لله تعالى فناسب ذلك الإشارة ضمنياً إليه.

ونحن نجدد عهد التوحيد الذي قطعناه على أنفسنا ونحن في عالم الذرّ يوم عرفة، يوم العهد كما جاء في الحديث: (إنَّ اللهَ أخذَ الميثاقَ مِن ظهرِ آدمَ ب(نعمانَ) يومَ عرفةَ، وأخرجَ من صُلبِه كلَّ ذريةٍ ذراها فنثرَهمْ بينَ يديهِ كالذَّرِّ، ثمَّ كلَّمَهُم قبَلًا قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى). صحيح الجامع للألباني، 1701 خلاصة حكم المحدث : صحيح. ولنتأمل تناسب الدعاء بذلك الموقف العظيم وارتباطه المكاني العجيب الذي هو عرفة.

إننا كذلك نجدد العهد في اليوم الذي يدنو فيه الرب جلّ وعلا دنواً يليق بعظمته وجلاله وهو يوم عرفة كما ورد في الحديث: (فإذا وَقف ب (عَرفةَ) فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ ينزلُ إلى سَماءِ الدُّنيا فيقولُ: انظُروا إلى عِبادي شُعْثًا غُبْرًا، اشهَدوا أنِّي قد غفَرتُ لهم ذنوبَهم، وإن كانَت عددَ قطْرِ السَّماءِ ورملِ عالِجٍ). صحيح الترغيب للألباني،1155 خلاصة حكم المحدث: حسن.

نعلنها شهادة توحيد خالصة، نشهد عليها ملائكة الرحمن الذين يتنزلون معه كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (ما من يومٍ أكثرُ من أن يعتِقَ اللهُ فيه عبيدًا من النَّارِ من يومِ عرفةَ، وإنه لَيدنو، ثم يباهي بهم الملائكةَ فيقول: ما أراد هؤلاء؟ اشهَدوا ملائكتي أني قد غفرتُ لهم) صحيح الترغيب للألباني، 1154 خلاصة حكم المحدث: صحيح لغيره.

ولنا هنا أن نشير إلى مشهد مهيب عظيم ورد في سورة الفجر التي تحدثت عن الليالي العشر وقلبها ودرّتها يوم عرفة.. إنه مشهد مجيء الرب جلّ جلاله يوم القيامة بكيفية تليق به وهو أعلم بها (وجاء ربك والملك صفاً صفاً).. والحدث يشبه كثيراً ما جاء في الحديث الشريف من دنوه سبحانه وتعالى يوم عرفة وقوله للملائكة: (اشهدوا ملائكتي أني قد غفرت لهم). إنه موقف جليل يتناسب معه الصدح بشهادة الحق للخالق العظيم فلا إله إلا هو وحده لا شريك له، شهادة الهوية الإسلامية والانتماء لهذا الدين والخضوع والانقياد والعبودية لرب العالمين. شهادة نلقى بها الله ونعلنها في هذا اليوم العظيم بين يديه، لتكون لنا ذخراً في اليوم الآخر في الموقف المشابه.

ولنتفكر في قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من يومٍ أكثرُ من أن يعتِقَ اللهُ فيه عبيدًا من النَّارِ من يومِ عرفةَ).. ولنربطه بحديث في الصحيحين فيه نفس الدعاء بحذافيره بموافقات عجيبة..

قال صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا اللهُ، وحده لا شريك لهُ، له الملك وله الحمدُ، وهو على كل شيء قديرٌ. في يوم مائةَ مرةٍ، كانت له عدلُ عشرِ رقابٍ، وكتبت له مائةُ حسنةٍ، ومُحيت عنه مائةُ سيئةٍ، وكانت له حِرزًا من الشيطانَ يومَه ذلك حتى يمسي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضلَ مما جاء به، إلا أحدٌ عمل أكثرَ من ذلك). صحيح البخاري 3293 وصحيح مسلم 2691.

تأملوا مطابقة كلمات الدعاء معه، وكأن الذي يريد أن يشمله عتق الله من النار يوم عرفة فعليه أن يأتي بمضمون هذا الدعاء المرتبط بالعتق، وقد جاءت روايات أخرى تثبت وتؤكد تلك المزية له كما في الحديث: (من قال: لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك لهُ، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، عشرَ مراتٍ. كان كمن أعتقَ أربعةَ أنفُسٍ من ولدِ إسماعيلَ). صحيح مسلم2693.

ووقفة مع ما جاء في تلك الأحاديث عن نبي الله إسماعيل عليه السلام، فتخصيص الثواب بعتق أنفس من ذريته له دلالات عظيمة، فهو الذي أعتقه ربه من الذبح، وفداه بذِبح عظيم، نذكره كلما سقنا الهدي ونحرنا الأضاحي فيه، إنه الذي رفع القواعد من البيت مع أبيه وملأ فضاء مكة والمشاعر المقدسة بالدعاء والتهليل والتكبير، ومن ذريته وأبنائه وأولاده كان المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي طهّر البيت من الشرك والأوثان وبعثه الله بالحنيفية السمحة ملّة أبينا إبراهيم عليه السلام لتكون كلمة الله وشهادة لا إله إلا الله هي العليا.

إنه ترابط عجيب نستشعره ونستحضره يوم عرفة فلا نملك إزاءه إلا أن نصلي ونسلم على حبيبنا المصطفى وآله وصحبه الذي أكرمنا الله به فعلمنا ما لم نكن نعلم، وأرشدنا إلى أحسن الأقوال والأفعال، وهدانا الله به إلى أفضل السجايا والخصال، فعسى الله أن يكرمنا بجواره في نعيم ما له زوال.

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 162523