ماذا بعد انقضاء العشر من ذي الحجة؟!

روضة الدعاة › دعوة ودعاة 2016-09-25 عدد القراءات: 119

الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام على أشرف المرسلين،نبينا محمد و على آله،وصحبه أجمعين.
أما بعد:
إن مما يجب دائما على المؤمن أيها الأفاضل أن يتعاهد نفسه التي بين جنبيه،فيُخضعها على تنفيذ ما حث عليه الباري جل وعلا وأمر والبعد عما نهى عنه وزجر،وذلك بِحَثها على فعل الطاعات والمسابقة في الخيرات،وأن يكون ذلك كله لوجه رب الأرض والسموات،واجتناب الذنوب والمحرمات،فهذا هو الجهاد الدائم والمستمر مع العبد مادام أن الموت لم ينزل بساحته،والروح لم تفارقه،فعن فضالة بن عبيد-رضي الله عنه-قال:قال صلى الله عليه وسلم:"الْمُجَاهِدُ من جَاهَدَ نَفْسَهُ في طَاعَةِ اللَّهِ عز وجل".رواه الإمام أحمد في المسند(6/22)،وصححه الشيخ الألباني-رحمه الله-في السلسلة الصحيحة (549)
يقول الشيخ السعدي-رحمه الله- :" فإن النفس ميالة إلى الكسل عن الخيرات،أمارة بالسوء،سريعة التأثر عند المصائب، وتحتاج إلى صبر وجهاد في إلزامها طاعة الله،وثباتها عليها،ومجاهدتها عن معاصي الله،وردعها عنها،وجهادها على الصبر عند المصائب،وهذه هي الطاعات:امتثال المأمور ،واجتناب المحظور،والصبر على المقدور،فالمجاهد حقيقة:من جاهدها على هذه الأمور لتقوم بواجبها ووظيفتها".بهجة قلوب الأبرار(ص21)
أيها الأحبة الكرام قد يسر لنا الملك إدراك أفضل أيام العام،فأودع فيها أهل الإسلام ما شاء الكبير المتعال من أقوال وأفعال،فمنهم من استغلها،فسعى واجتهد في تحصيل الأعمال الصالحة، ومنهم من ضيعها في الشهوات والملذات! ومنهم من أسرف فيها من المنكرات ولم يراعي مكانتها وعظمتها عند رب البريات!!.
فيا من استغليتها في التزود من الخيرات،وحصنت فيها نفسك من المحرمات، اعلم -رعاك الله-أن الطاعات ليست محدودة بأوقات،وإن من علامات قبول الحسنات فعل الحسنات بعدها، لأن ارتكاب المعاصي بعد الإحسان، لهو من جحد نعم المنان،وإنه لعمى بعد بصيرة وضلال بعد هدى،والعياذ بالله.
فيا أيها الحاج الكريم،يا من يسر لك الباري قصد بيته العظيم،عليك أن تحمد المنان وتشكر الرحمن على منه وكرمه عليك، لأن بالشكر و الإيمان تدوم النعم، و بالجحود و العصيان تَحل النقم.
واعلم –وفقك الله- أن من ثمرات حجك،أن ترجع أفضل حالا مما كنت قبله، فتبتعد عن المعاصي والآثام وتجتهد في عبادة وطاعة الملك العلام،فهذا هو الحج المبرور الذي أخبر عنه خير الأنام،فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-أن النبي صلى الله عليه وسلم:"والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".رواه البخاري (1683)ومسلم(1349)
يقول الإمام النووي –رحمه الله-:"ومن علامة القبول أن يرجع – الحاج- خيرا مما كان ولا يعاود المعاصي".الشرح على صحيح مسلم (9/119)
ويقول الشيخ العلامة صالح الفوزان –حفظه الله-:"من علامات الحج المبرور، أن يرجع صاحبه أحسن حالًا في دينه مما كان قبل ذلك، بأن يرجع تائبًا إلى الله سبحانه وتعالى مستقيمًا على طاعته، ويستمر على هذه الحالة، ويكون الحج منطلقًا له إلى الخير، ومنبهًا له إلى تصحيح مساره في حياته". فتاوى الشيخ (2/495)
وقد سئل الإمام الحسن البصري–رحمه الله-عن علامة الحجّ المبرور؟فقال-رحمه الله- :"أن يرجع العبد زاهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة ".قوت القلوب لأبي طالب المكي (2/197)
ويا أيها الأحبة الأفاضل، يا من لم ييسر لكم الباري هذه السنة قصد بيته الحرام، ووفقكم لاغتنام العشر المباركة من ذي الحجة فاجتهدتم في الصيام و أكثرتم من أنواع البر و الإحسان وابتعدتم عن سبل الشيطان والعصيان، اعلموا – نفع الله بكم- أن امتناعكم عن المعاصي و الذنوب في الأيام المباركة لدليل على قدرتكم بعون الله جل جلاله على الابتعاد عنها طيلة حياتكم،فلا تتركوا لأعدائكم من النفس الأمارة بالسوء، وأولياء وشياطين الجن والإنس مجالا لإفساد ما قدمتموه من أعمال صالحة التي تنفعكم بإذن مولاكم في حياتكم وبعد موتكم، واحذروا من أن تتبدل أحوالكم بعد أن اجتهدتم في طاعة ربكم!!.
فالعمل الصالح أيها الكرام ليس محصورا في أوقات معينة!!-وإن كان في بعضها أفضل-،وإنما يكون في جميع الأوقات وفي كل اللحظات،والمؤمن الحق هو الذي يستمر في طاعة ربه جل وعلا حتى تأتيه منيته،يقول تعالى: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين )[الحجر: 99].
قال الشيخ السعدي-رحمه الله-:"أي:الموت، أي:استمر -يا محمد صلى الله عليه وسلم- في جميع الأوقات على التقرب إلى الله بأنواع العبادات، فامتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه،فلم يزل دائبا في العبادة ،حتى أتاه اليقين من ربه صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا ". تفسير السعدي(ص 435)
وقال الشيخ الشنقيطي-رحمه الله-:"هذه الآية الكريمة تدل على أن الإنسان ما دام حياً وله عقل ثابت يميز به،فالعبادة واجبة عليه بحسب طاقته،فإن لم يستطع الصلاة قائماً فليصل قاعداً،فإن لم يستطع فعلى جنب...".أضواء البيان(2/324)
ويقول الإمام الحسن البصري -رحمه الله-:"والله ما المؤمن بالذي يعمل شهرا أو شهرين أو عاما أو عامين لا والله ما جعل الله لعمل المؤمن أجلا دون الموت".الزهد للإمام أحمد (ص272)
أيها المسلم الكريم يا من فرطت في العشر المباركة وغيرها من الأيام وأكثرت من المعاصي والآثام، لا تقنط من رحمة الغفور العلام،وبادر بالتوبة و الغفران والرجوع إلى العزيز المنان، فأبواب التوبة ولله الحمد مفتوحة قبل فوات الأوان.
وتيقن-بارك الله فيك- أنك مهما أذنبت وأكثرت على نفسك وأسرفت، لا تقنط ولا تيأس فرحمة الله جل وعلا أوسع من ذلك كله،ولهذا دعاك سبحانه إلى التوبة والاستغفار،وأخبرك في كتابه العزيز أنه يغفر الذنوب جميعا مهما بلغت، لأنه سبحانه هو العزيز الغفار،لكن بشرط أن ترجع إليه، فقال سبحانه:(قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم )[ الزمر :53]
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-:"فيه نهي عن القنوط من رحمة الله تعالى، وإن عظمت الذنوب وكثرت، فلا يحل لأحد أن يقنط من رحمة الله وإن عظمت ذنوبه، ولا أن يُقنِّط الناس من رحمة الله، قال بعض السلف :أن الفقيه كل الفقيه الذي لا يُؤيِّس الناس من رحمة الله، ولا يجرِّيهم على معاصي الله.
والقنوط يكون بأن يعتقد أن الله لا يغفر له، إما لكونه إذا تاب لا يقبل الله توبته ويغفر ذنوبه،وإما بأن يقول: نفسه لا تطاوعه على التوبة،بل هو مغلوب معها، والشيطان قد استحوذ عليه، فهو ييأس من توبة نفسه، وإن كان يعلم أنه إذا تاب غفر الله له،وهذا يعتري كثيرا من الناس ".مجموع الفتاوى (16/19)
ويقول الإمام الشوكاني-رحمه الله-:"المراد بالإسراف الإفراط في المعاصي والاستكثار منها ،ومعنى (لا تقنطوا):لا تيأسوا (من رحمة الله)من مغفرته، ثم لما نهاهم عن القنوط أخبرهم بما يدفع ذلك ويرفعه ويجعل الرجاء مكان القنوط فقال :(إن الله يغفر الذنوب جميعا )....فيا لها من بشارة ترتاح لها قلوب المؤمنين المحسنين ظنهم بربهم الصادقين في رجائه ،الخالعين لثياب القنوط، الرافضين لسوء الظن بمن لا يتعاظمه ذنب، ولا يبخل بمغفرته ورحمته على عباده المتوجهين إليه في طلب العفو، الملتجئين به في مغفرة ذنوبهم، وما أحسن ما علل سبحانه به هذا الكلام قائلا:( إنه هو الغفور الرحيم ) أي: كثير المغفرة والرحمة عظيمهما بليغهما واسعهما، فمن أبى هذا التفضل العظيم والعطاء الجسيم، وظن أن تقنيط عباد الله وتأييسهم من رحمته أولى بهم مما بشرهم الله به، فقد ركب أعظم الشطط وغلط أقبح الغلط".فتح القدير(4/ 469)
ويقول الشيخ السعدي –رحمه الله-:"ومن كمال عفوه أن المسرفين على أنفسهم إذا تابوا إليه غفر لهم كل جرم صغير، وكبير، وأنه جعل الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها ".الحق الواضح المبين(ص55)
فالتوبة والاستغفار أخي المذنب،هي طريق كل نجاح ومصدر كل فلاح في الدنيا والآخرة ،وهذا الطريق لا يستغني عنه كل مسلم مهما كانت مكانته وعلا شأنه، يقول الشيخ ابن سعدي–رحمه الله-:"فلا سبيل إلى الفلاح إلا بالتوبة،وهي الرجوع مما يكرهه الله، ظاهرا وباطنا،إلى ما يحبه ظاهرا وباطنا،ودل هذا،أن كل مؤمن ،محتاج إلى التوبة،لأن الله خاطب المؤمنين جميعا". تفسير السعدي (ص 567)
فاحذر أشد الحذر –وفقك الله-من التسويف في التوبة و تأخيرها،لأن ذلك من تلبيس الشيطان الذي يريد أن يصدك عن طاعة الرحمن، لتبوء بالحرمان و الخسران،وعليك أن تعزم على عدم العود إلى تلك المحرمات،يقول الإمام ابن القيم
–رحمه الله- : "فحقيقة التوبة هي الندم على ما سلف منه في الماضي والإقلاع عنه في الحال والعزم على أن لا يعاوده في المستقبل،والثلاثة تجتمع في الوقت الذي تقع فيه التوبة، فإنه في ذلك الوقت يندم ويقلع ويعزم فحينئذ يرجع إلى العبودية التي خلق لها،وهذا الرجوع هو حقيقة التوبة،ولما كان متوقفا على تلك الثلاثة جعلت شرائط له".مدارج السالكين (1/182)
فيا أيها الأحبة الكرام علينا جميعا أن نغتنم ما بقي من أعمارنا فيما يُرضي ربنا جل جلاله،لأن الموت إذا جاء ! لا يخشى أحدا،ولا يُفرق بين أحد،ولا يعرف صديقا،ولا يميز بين كبير ولا صغير،ولا صحيح ولا سقيم،،فهو يصل إلى الناس في كل مكان ، في البر أو البحر أو الجو، ولو تحصَّنوا منه!،قال جل وعلا:(أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنت في بروج مشيدة)[النساء: 78]
يقول الإمام الطبري-رحمه الله-:"فإن الموت بإزائكم أين كنتم وواصل إلى أنفسكم،حيث كنتم ولو تحصنتم منه بالحصون المنيعة".تفسير الطبري(5/ 172)
ولنحذر أشد الحذر من داء عضال ومرض قتال، الذي إذا تمكن من القلب أفسده،ومن المرء أهلكه، يقول الإمام القرطبي-رحمه الله-:"داء عضال ومرض مزمن ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه واشتد علاجه ولم يفارقه داء ولا نجح فيه دواء بل أعيا الأطباء ويئس من برئه الحكماء والعلماء".تفسير القرطبي(10/ 3)
من ابتلي به أساء العمل، وتمادى في الخطأ والزلل!!،ألا وهو طول الأمل،يقول الإمام الحسن البصري-رحمه الله-:"ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل".قصر الأمل لابن أبي الدنيا(ص82)
فإن مفتاح كل خير وسرور في امتثال أوامر العزيز الغفور،وذلك بالبعد عن المعاصي والذنوب،والإقبال على طاعة علام الغيوب، وكذلك في عدم تعليق القلوب بأمور الدنيا الفانية،وربطها بالأمور الأخروية الباقية.
يقول الإمام ابن القيم-رحمه الله-:"ومفتاح الاستعداد للآخرة قصر الأمل،ومفتاح كل خير الرغبة في الله والدار الآخرة، ومفتاح كل شر حب الدنيا وطول الأمل".حادي الأرواح(ص 48)
فالله أسال بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يوفقنا وإياكم أيها الأحباب لكل ما فيه خير وصواب،ويُبعدنا عن الذنوب والمعاصي التي هي سبب كل بلاء ومصدر كل شقاء،وأن يجعلنا ممن يخافه في السر و العلانية،ويرزقنا الثبات عند الممات فإنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.
 

وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 162520