حين ينهدم الصرح..!!

البيت المسلم › عن الأسرة 2013-08-25 عدد القراءات: 297

إنه الحصن المنيع، حصن ضد الشيطان، ضد الفتن، ضد الأعين المتربصة، والقلوب المريضة الطامعة، بني بكلمة الله وكلله سبحانه بتسميته الميثاق الغليظ (وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا).. ليست مواثيق دنيوية زائلة بأوراق وأقلام مصنوعة بأيدي البشر، وإنما هو موثق من الله سبحانه وتعالى، وبموجب ذلك الميثاق سلَّم وليّ الأمر ابنته أو موكلته للزوج؛ ليصبح هو المسئول الأول عنها.. عن حمايتها وراحتها واحتياجاتها وسعادتها وأمانها وسترها، أصبح هو كل شيء، السكن والأمن والدفء والمودة والرحمة والعزة، في كنفه الأمان، وفي لمسته رضا الرحمن، وفي نظرته الراضية تتساقط الذنوب، وفي كلمة حانية منه جنة الرضوان.

ذلك هو الحصن الذي طالما حلمت به المرأة، وتلك هي الجنة التي طالما تمنَّت أن تحتويها جدرانها، الزوج والأولاد هما حلم كل فتاة وغايتها، وحين يتحقق تشعر وكأنها قد ملكت الدنيا وما فيها؛ فهو الستر لها أكثر من أبيها وأخيها، تشعر وكأنها قد صارت جزءًا منه، وكيف لا وقد جعلها الله عز وجل كذلك في كتابه العزيز في سورة الروم (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) جعلها من نفسه جزءًا منه تأوي إليه وتستريح عنده وتطمئن في كنفه.

تغضب وتعود إلى حصنها، تبتعد وتعود، تقصر وتعود، تشرد أحيانًا، لكنها مطمئنة في كل الأحوال؛ لوجود ذلك الحصن الآمن الذي سيحتويها في كل الأحوال، والذي يسترها في كل الأحوال، والذي يضمها كذلك في كل الأحوال.

مضت أيام جميلة مع الزوج الحبيب، ومضت كذلك أيام مؤلمة، وحتى الألم جمعهما، تمنَّيا معًا الولد الذي يحيل هدوء البيت لصخب محبوب، ويكلِّل الحب بذرية صالحة تقربهما أكثر وأكثر، ويتحقق الحلم بكل ما في التجربة من روعة وحب وكذلك ألم، تتعلق بزوجها أكثر، ويقتربان أكثر في كل فرحة وفي كل ألم وفي كل أمنية وفي كل ضيق، يلتقيان أكثر ويقتربان في السعادة التي تضمهما وفي المرض الذي يسهر أحدهما على الآخر، وتتوالى الأيام ليدخل الشقاق بعد الوفاق، وتهجر الملائكة العش الدافئ ليعشش فيه الجليد والفرقة والصمت المخيف؛ فلا يحتمل أحدهما للآخر كلمة ولا يصبر له على موقف ولا يبتلع له خطأ، وينسى كل منهما للآخر أجمل ما فيه وأجمل ما أعطاه إياه، ويهجر الحب ويهجر الدفء، وكذلك تهجر الابتسامة التي تذيب الكثير من الكدر ولا يبقى سوى العبوس، وكلمة هي عند الله مكروهة وعند الناس بشعة وعند الأحباء موت ونهاية محزنة..

- طلقني الآن.. فما عدت أطيق العيش معك.

- أنت طالق.

وينهدم الصرح، وتضيع أسمى المعاني الإنسانية، ويضيع كذلك بالنسبة للمرأة أكبر ما تتمناه أي امرأة.. الشعور بالستر والأمان، تدور بها الدنيا ولا تصدق بأنها الآن صارت وحدها، دون ذلك الأنيس الذي ملأ حياتها يومًا بهجةً وسعادةً، وشاركها ما تستحيي أن تقصه على أمها، شاركها ما لا يستطيع غيره أن يشاركها إياه، وأعطاها ما كان يومًا حلمها، فجأةً تفرغ الحياة من كل ما هو جميل، وينكسر القلب الذي طالما أحب وتعلَّق وشارك الأحلام، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلقت المرأة من ضلع أعوج، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه؛ فإذا ذهبت تصلحه كسرته، وكسرها طلاقها"، صدقت يا رسول الله.. "كسرها طلاقها"؛ فلا الموت يكسر المرأة، ولا أي خسارة يمكن أن تكسرها، لا يكسرها سوى الطلاق، لقد صار الحبيب غريبًا عنها، أجنبيًّا، مثله مثل أي رجل آخر تمر عليه في الطريق، يجب أن تغض طرفها عنه، وكذلك هو.. الرجل الذي كان يمثل الستر لها أصبح غريبًا عنها! وكل هذا بكلمة واحدة: الطلاق.

تذهب المكسورة القلب تلملم من عشها الذي طالما حلمت به حاجياتها، كل قطعة لها معه ذكرى، وله فيها رائحة، ويمضي هو يتحسَّس الجدران وقد انتصر عليها بكلمته، أو أنه صار هو الآخر مهزومًا بفعلته، تسير المكسورة وتهجر المكان، وربما كان هناك أفراخ صغيرة يصرخون الآن، يتعلقون بها- أو به- كلهم يريدون كليهما.. أبي.. أمي، نريدكما معًا.. أحتاج لقلبك يا أمي، أحتاج رعايتك وحنانك وعطائك، أحتاج لحضنك كي أنام وعينك تحرسني كي أطمئن وحكاياتك المسلية التي تسعدني، وطعامك الذي لم أتعود على غيره، والذي كان لا يعجب أبي- يومًا- سواه، أحتاجك يا أبي، أحتاج عطفك وحمايتك وتوجيهاتك، أحتاج كليكما معًا؛ فلا تمزقاني بين حبيبين صار كل منهما- وهو حبيبي- عدوًّا للآخر.

وتصرخ الجدران: لقد شهدت معكما أجمل أيامي؛ فلا تهجراني، فلا أرغب في غيركما يملأني دفئًا وسعادةً، وينادي الحب المذبوح: كيف جرؤ أحدكم أن يمزق ميثاقًا كتبه الله بينكما؟!

ويمضي الحبيبان وقد صار كل منهما غريبًا عن حبيبه، كلٌّ في طريق يحمل بين جنبيه قلبًا مكسورًا مليئًا بدلاً من الحب أشواكًا.

عزيزتي الزوجة.. عزيزي الزوج.. قبل أن ينهدم الصرح وقبل أن تنكسر القلوب وقبل أن تبكي الأفراخ الصغيرة وقبل أن تصير أجمل المعاني الإنسانية وهمًا.. انتبها وقفا وقفة مراجعة للنفس، وضمِّدا ما بينكما من جروح.

عزة مختار

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 170476