أثر العقيدة في بناء الفرد

البيت المسلم › عن الأبناء 2013-09-09 عدد القراءات: 308

عيسى الحسين بن عمر

الإيمان أصول العقيدة وماهيتها:

إن الحديث عن العقيدة الإسلامية وبالأخص عن أثرها في بناء الفرد يشجن القلب و تترنم الروح وتسمو بها إلى العلياء وتعرج محلقة إلى المعالي الشامخة فإذا هي قد أخذت مكانها في الجنان وفي رضا الرحمان ذلك أنها قد صفت وجملت وفرحت بذكر ربها وأنست به وبإيمانه وعاشت وذاقت أجمل ما في الحياة من ما تثمره عقيدة الإيمان في كل جوانبها الحياتية والأخروية.

قبل أن نعرج إلى الحديث عن الأثر الذي تحدثه العقيدة في الفرد أعتقد أنه من الحكمة قبل ذلك أن نتحدث على مصدر هذه العقيدة وخصائصها وأعظم به من مقدمة منطقية عقدية ربانية سليمة ذلك أن الحصاد من جنس البذر، والطيب لا يخرج إلا طيبا وما خبث خرج من نوعه، وعلى إثر تلك الخصائص نستخلص الأثر الذي تحدثه في الفرد. …وإن تحدثنا عن مصدر العقيدة فإننا  ننظر إلى الإسلام بأنه دين عظيم أنزله رب عظيم، لإنسان مكرم خلقه بنفسه جل وعلا ونفخ فيه من روحه وعلمه أسماء كل شيء وأشهده على نفسه بوحدانيته تبارك وتعالى.

إن الدور الذي يقوم عليه الإنسان أن يحافظ على فطرته السليمة ويبعد عنها كل ما يفسدها ويلطخها بما ليست فيه أصل، ومأواها النفس فحفاظه في الحفاظ عليها، وهلاكه في إفسادها وتضليلها. وإن هذا لمن الأهمية العظيمة بمكان لأنه أولا:

بيت العقيدة وعشها في النفس، ولقد ألهمها فجورها وتقواها فصارت منسجمة تماما مع الفطرة السليمة،  تلك النفس التي يحيى سعيدا بها إن زكاها ويحيى خائبا بها إن دساها ولوثها بما يضر وبما لا يرضى ربنا جل وعلا.

-ثانيا: يمس في مصيره وتوجيه حياته إما إلى الفلاح أو الخسران في الحال وفي المآل، ولهذا أقسم الله تعالى بعدة مخلوقاته لنتيقن بخطورة هذه النفس إن هو أفلتها بلا حدود ولا قيود، وأن نتيقن بفلاحنا عندما نسايرها إلى ما أمرنا به جل وعلا ونبعدها عن كل ما نهانا عنه فقال عز من قائل:

وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) ….قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا  [الشمس : 1_ 10].

 لابد أن نذكر تعريف العقيدة اصطلاحا كما ذكرنا من قبل ربانية مصدرها، ولقد عرفه الأستاذ عثمان عبد القادر الصافي وأحسن التعريف في كتابه الإيمان تعريف ومتفرقات فقال: « تلك المجموعة من الأحكام التي يصدق بها الإنسان تصديقا جازما، حتى تتوثق منه في الأعماق، ويحملها قناعات توجه مفاهيمه، وتحدد تصوره للأمور، لدرجة تتحكم معها في سلوكه وتقرر نسق حياته، بل تسري في مشاعره، وتتجلى في ذوقه ومزاجه ».

إن هذه العقيدة الربانية بهذه الخصائص العظيمة من شأنها أن تأثر في الفرد أيما تأثر، فلم نشاهد منها إلا ما استحلى وعذب من مكارم الأخلاق وفضائلها، وما سكنت إليه النفس واستراحت، ومن ارتدى هذه العقيدة أضحى في أجمل مظهر وفي أعبق رائحة وفي أحسن صورة، عقيدة تدعو إلى العبادة والتقوى والجد والعمل والترويح كذلك، وتعد بطيب الحياة في الدنيا وفي الآخرة…وأن الجنة لمن اتقى والنار لمن عصى واستكبر، فكانت الحياة ميدان سباق نحو التقوى والعيش الرفيع في كنف الله واستحضاره في كل أعمالنا وفي حلنا وترحالنا. قال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)، وغيرها من الآيات الكثيرات التي تتحدث عن التقوى وربطها بالجنة.

أثر العقيدة في بناء الفرد:

لقد خلق لله عباده وكلفهم بالعبادة وعمارة الأرض وأكرمهم بمكارم الأخلاق وأمرهم بها حتى غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم مضرب المثل في الإيمان الصادق والأخلاق العظيمة ،ثم وعدهم برضوانه والدخول إلى جنته ، وكذا أنذر وتوعد كل من يخالف هذه العقيدة ومن لا يربط الإيمان بالعمل ويتخذها أماني فقط، توعدهم بالعذاب والشقاء قال عز من قائل: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) [النساء : 123 ، 124] ، فإذن هذه العقيدة العظيمة عقدت في القلب فانفجر نورا مضيئا من الأعمال الصالحة ذلك أن المصدر هو الله نور السماوات والأرض، وتركت آثارا واضحة في الفرد ومن هذه الآثار نذكر:

الاستقامة على الصراط المستقيم :

وأكبر أثر تتركه العقيدة في الفرد أن يكون مستقيما في الصراط المستقيم، محققا للعبادة التي خلقه الله من أجلها حيث يقول: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) [الذاريات : 56.

طلب العلم والكد فيه: 

ولا يعبد الله عن جهل كما لا يستطيع الفرد العيش في جهل مطبق، والعلم يشمل كل نواحي الحياة دينا ودنيا، ، والمؤمن مطيع لربه إذ يأمره في أول آية أنزلت في القرآن الحكيم: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ.

الأخوة بين المسلمين:

قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10، 11]، ولا تفاضل بينهم إلا بالتقوى قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) [الحجرات : 13].

السعادة والطمأنينة: 

وهي أثمن ما يبحث عليه كل إنسان في الدنيا والآخرة، ، فيعيش قرير العين، مطمئن البال سعيد القلب،لأنه متيقن بأن الله تعالى سيجزيه الجزاء الأوفى وما ربك بظلام للعبد، ويصفهم العلامة محمد فتح الله كولن في كتابه: ترانيم روح وأشجان قلب في ص9 قائلا: “الذين يعيشون الإسلام كما أنزل يحيون بقلوبهم في هذه الدنيا وكأنهم يعبون من كؤوس اللذة في جنة النعيم” فما أحسن هذا الوصف وما أبدعه قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.

الإخلاص:

ذلك أن الله واحد، وشرط القبول واضح وثمرته معروفة، لذلك على المسلم أن يكون مخلصا في عمله لله وفي معاملته للناس ولنفسه.

حب الجهاد والإقدام في سبيل الله:

فالمسلم متيقن بأن الله تعالى سيجزيه بالجنة إذا جاهد في سبيله حقا،وهذا اليقين من حقه أن يأخذ بذلك المسلم إلى حب الجهاد والإقدام في سبيل الله، وأكبره جهاد النفس ومن الجهاد أيضا أن يعمل الإنسان ويكد لكسب قوته ومن الجهاد كذلك خدمة غيره، فالله الله على هذه القوة وعلى هذا اليقين الضارب في الأعماق والمتجذر في القلوب…وإننا نحمد الله تعالى على أمثال هؤلاء الرجال في عصرنا ونرجو يقينهم وقوتهم في ضعاف شبابنا ورجالنا….

وإذا ما صلنا وجلنا اليوم في عهدنا هذا، فإننا نبقى حيارى تائهين متعجبين من أمر الكثير من المسلمين، إذ كيف لقوم يملكون أسباب الحضارة العظمى من هذه العقيدة الربانية وهم متخلفون في أدنى الركب،…هذا لأن العلم يفتقر إلى العمل، والقلوب مفتقرة إلى ربها وقوتها الروحي..وفي هذا الشأن يقول المفكر الإسلامي مالك بن نبي في إحدى روائع كلمه:” مشكلتنا ليست في أن نبرهن للإنسان المسلم بوجود الله بقدر في أن نشعره بوجوده ونملأ به قلبه باعتباره مصدرا للطاقة” ، وكذا من الواجب كذلك أن نحمد الله تعالى على الجانب المنير كذلك في عصرنا في المسلمين أنفسهم، ولا يزال الخير قائما لن ينطفئ بإذن الله، وإنني أشيد بكل العاملين في درب الخير وأخص بالذكر الحركة الفكرية الميدانية العالمية، لصاحبها الشيخ العلامة محمد فتح الله كولن ، حيث ضرب أروع الأمثلة في عصرنا هذا ويظهر جليا فيه وفي طلبته أثر العقيدة فكرا وعلما حفظه الله تعالى ورزقنا من أمثاله آمين..

وفي الحقيقة إننا نملك دينا حضاريا عظيما يحمل بين ضفافه أسباب الحضارة، ويقود بأفئدتنا إلى السعادة والتوازن العجيب، لذا علينا أن نحقق العقيدة بما فيها فعلا، ليتغير حالنا أولا ولنسعد بانتمائنا للإسلام ثانيا، ولنبين للعالم أجمع أن هذا هو الإسلام وهذه آثاره وثماره….

هل تشعر بدورك التربوي تجاه من حولك؟



الزيارات: 170536